رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

غضب الرب في باريس وتاريخ الموساد بالعاصمة الفرنسية

بعد مصرع سفير جنوب أفريقيا.. هل تجددت «غضب الرب» الإسرائيلية في باريس؟

هل تجددت عمليات «غضب
هل تجددت عمليات «غضب الرب» الإسرائيلية في باريس؟

أعاد حادث مصرع سفير جنوب أفريقيا – وسط تكهنات باغتيال إسرائيل للدبلوماسي الأشهر في أوروبا – عمليات «غضب الرب» الإسرائيلية إلى الأذهان مجددا، إذ أطلقها جهاز الموساد في العاصمة الفرنسية باريس.

 

هل تجددت عمليات «غضب الرب» لـ الموساد في باريس؟ 

ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تحوّلت العاصمة الفرنسية إلى مسرح متكرر لعمليات اغتيال غامضة استهدفت قيادات وممثلين فلسطينيين، اتفقت أغلب المصادر على نسبتها إلى جهاز الموساد الإسرائيلي. 

هذه العمليات جاءت في إطار حملة انتقامية طويلة ومعقدة، عُرفت لاحقًا بعملية "غضب الرب"، والتي أطلقتها إسرائيل بعد هجوم ميونيخ عام 1972.

                 

اغتيال محمود همشري – ديسمبر 1972

<strong>اغتيال محمود همشري – ديسمبر 1972</strong>
اغتيال محمود همشري – ديسمبر 1972

أولى حلقات هذه السلسلة كانت باغتيال محمود همشري، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا، حين زرع عملاء عبوة ناسفة في هاتفه داخل شقته بباريس في ديسمبر 1972، ما أدى إلى مقتله بعد إصابته بجروح خطيرة. 

في صباح الثامن من ديسمبر 1972، شهدت باريس واحدة من أكثر عمليات الاغتيال دقة وإثارة للجدل في سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية بأوروبا. 

ففي ذلك اليوم، انفجرت عبوة ناسفة وُضعت داخل هاتف مكتبه، لتُصيب محمود همشري، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا، بجروح بالغة، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بها بعد أيام.

تفاصيل العملية بدأت حين دخل رجل إلى مكتب همشري متظاهرًا بأنه فني صيانة، ليزرع المتفجرات في الهاتف. وما إن رفع همشري سماعة الهاتف حتى دوّى الانفجار.

ليتحوّل مكتبه إلى ساحة دماء. إسرائيل اتهمته بالضلوع في تنسيق عمليات على صلة بهجوم ميونيخ 1972، بينما اعتبر الفلسطينيون أن هذه التبريرات مجرد ذريعة لتصفية الأصوات الدبلوماسية الفلسطينية في الخارج.

 

اغتيال باسل الكبيسي - أبريل 1973

<strong>اغتيال باسل الكبيسي - أبريل 1973</strong>
اغتيال باسل الكبيسي - أبريل 1973

في السادس من أبريل 1973، تحوّلت شوارع باريس إلى مسرح جديد لعمليات الاغتيال التي نفذها جهاز الموساد الإسرائيلي في قلب أوروبا. 

فقد أُطلق الرصاص على باسل الكبيسي، الأكاديمي والناشط الفلسطيني المعروف، ليسقط قتيلًا في وضح النهار بالقرب من أحد الشوارع العامة بالعاصمة الفرنسية.

الكبيسي، الذي ارتبط اسمه بنشاط سياسي وفكري بارز في دعم القضية الفلسطينية، كان ضمن الشخصيات التي استهدفتها إسرائيل في إطار حملة "غضب الرب"، وهي العملية السرية التي أطلقتها عقب هجوم ميونيخ عام 1972. 

اختيار باريس، كغيرها من العواصم الأوروبية، لم يكن صدفة؛ بل جاء ضمن استراتيجية إسرائيلية لضرب قيادات فلسطينية في الخارج وإسكات أصواتهم حتى في المنفى.

اغتيال الكبيسي لم يقتصر أثره على الساحة الفلسطينية وحدها، بل أثار أيضًا تساؤلات حادة في الأوساط الفرنسية والدولية حول حدود عمل الأجهزة الإسرائيلية على الأراضي الأوروبية، وعمّا إذا كانت السيادة الوطنية يمكن أن تصمد أمام صراع استخباراتي تجاوز الشرق الأوسط ليضرب في عمق أوروبا الغربية.

 

اغتيال عاطف بسيسو - 8 يونيو 1992

<strong>اغتيال عاطف بسيسو - 8 يونيو 1992</strong>
اغتيال عاطف بسيسو - 8 يونيو 1992

في الثامن من يونيو 1992، تحوّلت شوارع باريس الهادئة إلى مسرح جديد لعمليات الاغتيال التي لاحقت كوادر منظمة التحرير الفلسطينية في أوروبا. 

ففي تلك الليلة، قُتل عاطف بسيسو، أحد أبرز مسؤولي الاستخبارات الفلسطينية وعضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، بعدما أُطلق عليه الرصاص أمام فندق في العاصمة الفرنسية.

كان بسيسو يُعرف بكونه همزة الوصل بين جهاز الاستخبارات التابع لمنظمة التحرير وعدد من أجهزة الاستخبارات الأجنبية، ما جعله شخصية محورية في بناء قنوات اتصال سرية بين الفلسطينيين والغرب.

اغتياله جاء في توقيت حساس، تزامن مع محاولات المنظمة إعادة بناء جسور الثقة مع العواصم الأوروبية، وهو ما منح العملية بعدًا سياسيًا يتجاوز شخص المستهدف.

رغم أن أصابع الاتهام وُجّهت مباشرة إلى جهاز "الموساد" الإسرائيلي، باعتباره جزءًا من حملة طويلة لتصفية القيادات الفلسطينية في الخارج، فإن الاغتيال ظل مثار جدل واسع. 

بعض الروايات تحدّثت عن تداخل أجهزة استخبارات أخرى في العملية، بينما تمسّكت معظم التقارير الاستخباراتية والإعلامية بنسبة الاغتيال إلى إسرائيل.

حادثة اغتيال بسيسو لم تُسجّل فقط كفصل دموي جديد في "حرب الظلال" بين إسرائيل ومنظمة التحرير، بل أيضًا كمؤشر على هشاشة الملاذات الأوروبية التي كانت تُعتبر حتى ذلك الوقت محصنة أمام نيران الصراع الشرق أوسطي.

تكررت العمليات في السنوات اللاحقة، لتشمل شخصيات أخرى من بينها فاضل داني وآخرين ارتبطت أسماؤهم بأنشطة سياسية وتنظيمية مؤيدة للفلسطينيين، ما جعل باريس ساحة مواجهة صامتة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية. 

ووفق ما أوردته تقارير صحفية ودراسات تاريخية، فإن هذه الاغتيالات كانت جزءًا من شبكة واسعة من العمليات السرية التي نفذتها إسرائيل في عواصم أوروبية عدة، غير أن كثافة العمليات في باريس جعلتها تبدو وكأنها "العاصمة الثانية" لحرب الظل بين الموساد والفلسطينيين.

هذه السلسلة من الاغتيالات لم تقتصر على أهدافها المباشرة فحسب، بل خلّفت أيضًا حالة من التوتر الدبلوماسي بين فرنسا وإسرائيل، إذ وُجهت أصابع الاتهام أكثر من مرة إلى تل أبيب، دون أن تعترف الأخيرة بمسؤوليتها المباشرة عن تلك الجرائم. 

ومع مرور الوقت، تحولت باريس إلى مثال صارخ على كيف يمكن لعاصمة أوروبية أن تصبح ساحة حرب غير معلنة، تدور رحاها بعيدًا عن أعين الرأي العام، لكنها تترك بصماتها على مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء