رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكرى ميلادها.. سيجريد أوندست «زولا العصور الوسطى»

سيجريد أوندست
سيجريد أوندست

تحل ذكرى ميلاد الكاتبة النرويجية سيجريد أوندست، إحدى أبرز الأصوات الأدبية في القرن العشرين، والتي ارتبط اسمها بالرواية التاريخية ذات الطابع الإنساني العميق، حتى لقبت من قبل النقاد بـ«زولا العصور الوسطى»، نظرًا لاعتمادها على المنهج الواقعي في تناول الشخصيات والتحولات الاجتماعية داخل أعمالها.

وتمكنت أوندست من بناء مشروع أدبي واسع استلهم التاريخ الإسكندنافي والعصور الوسطى، وقدمت من خلاله شخصيات مركبة وصراعات إنسانية تتجاوز حدود الزمن، ما جعل أعمالها حاضرة بقوة في الأدب الأوروبي الحديث.

النشأة والبدايات الأدبية

وُلدت سيجريد أوندست في الدنمارك، قبل أن تنتقل أسرتها إلى النرويج وهي طفلة صغيرة، حيث نشأت في بيئة ثقافية تأثرت فيها بوالدها المهتم بعلم الآثار والتاريخ، وهو ما انعكس لاحقًا على طبيعة كتاباتها واهتمامها بالتاريخ النرويجي والأساطير الإسكندنافية.

وبعد وفاة والدها اضطرت للعمل في سن مبكرة لمساعدة أسرتها، فعملت سكرتيرة وهي في السادسة عشرة من عمرها، بالتوازي مع محاولاتها الأدبية الأولى التي سرعان ما لفتت انتباه النقاد.

نشرت أولى رواياتها «السيدة مارتا أولي» عام 1907، ثم أتبعتها بمجموعة قصصية بعنوان «المرحلة السعيدة»، وحققت الأعمال المبكرة نجاحًا نقديًا واضحًا، خاصة مع قدرتها على تقديم شخصيات نسائية معقدة تنتمي إلى الواقع الاجتماعي والنفسي للإنسان الأوروبي في بدايات القرن العشرين.

الرواية التاريخية وصناعة المجد الأدبي

اتجهت أوندست لاحقًا إلى الرواية التاريخية، مستفيدة من معرفتها الواسعة بتاريخ النرويج القديم وأساطيره، وقد بدا ذلك واضحًا في رواية «ابنة جونار»، التي أعادت من خلالها تشكيل أجواء العصور الوسطى برؤية أدبية دقيقة.

لكن التحول الأكبر في مسيرتها جاء مع ثلاثية «كريستين لافرانسداتر»، التي صدرت بين عامي 1920 و1922، وتضمنت أجزاء «إكليل العروس»، و«الزوجة»، و«الصلب»، حيث تناولت من خلالها حياة امرأة نرويجية في العصور الوسطى، مقدمة صورة إنسانية واجتماعية شديدة العمق.

وحققت الثلاثية شهرة عالمية واسعة، عززتها لاحقًا بروايتها الرباعية «سيد هستفيكن»، التي واصلت فيها استلهام التاريخ الإسكندنافي، ما رسخ مكانتها كواحدة من أهم كتاب الرواية التاريخية في القرن العشرين.

جائزة نوبل ومكانتها العالمية

حصلت سيجريد أوندست على جائزة نوبل للآداب عام 1928، وهي في السادسة والأربعين من عمرها، تقديرًا لإسهاماتها الأدبية وقدرتها على إحياء التاريخ بروح إنسانية معاصرة.

ولم يقتصر حضورها على الأدب فقط، بل عرفت أيضًا بمواقفها الإنسانية، حيث خصصت جزءًا كبيرًا من قيمة الجائزة لدعم العائلات التي لديها أبناء من ذوي الإعاقة، كما واصلت الكتابة بعد فوزها بالجائزة، وقدمت عددًا من المقالات والسير الذاتية، من بينها «أطول السنوات»، الذي تناولت فيه جانبًا من تجربتها الشخصية والإنسانية.

الحرب والمنفى والعودة الأخيرة

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وغزو ألمانيا للنرويج، اضطرت أوندست إلى مغادرة بلادها والتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث عاشت سنوات الحرب في المنفى قبل أن تعود إلى النرويج بعد انتهائها.

وقد أثرت سنوات الحرب والمنفى بشكل واضح على حالتها الصحية والنفسية، لكنها ظلت حاضرة في المشهد الثقافي النرويجي حتى سنواتها الأخيرة، وحصلت بعد عودتها على تكريمات وجوائز تقديرًا لمسيرتها الأدبية ومواقفها الوطنية.

ورحلت سيجريد أوندست عام 1949، تاركة خلفها إرثًا أدبيًا يعد من أبرز ما قدمته الرواية التاريخية الأوروبية في العصر الحديث.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء