من القصص التي أعجبتني في المجموعة القصصية "دوَّار غالية" للكاتبة غادة مأمون الصادرة عن دار المفكر العربي بالقاهرة عام 2025، قصة "بائع السعادة"، وهي قصة دافئة ومؤثرة! من خلال سرد يفيض بالمشاعر والوفاء، وقد نجحتِ القصة في تصوير ملامح "عم رمضان" بائع الجيلاتي، وصوتِه لدرجة تجعل القارئ يشمُّ رائحة الصيف ويسمع صوت مسجله المتهالك.
هذه القصة ليست مجرد ذكريات، بل هي تجسيدٌ لمفهوم "صناعة المعروف" وكيف أن الكلمة الطيبة مثل (يا ست الدكتورة) قد تتحول إلى حقيقة بفضل إيمان بسيط من قلب نقي. إن الربط بين لقب "الدكتورة" الذي منحه عم رمضان للطفلة، وبين واقعها كطبيبة تعالجه الآن، أعطى للقصة قفلة أو نهاية مدهشة ومؤثرة جدًّا.
وقد رسمت الذات الساردة لعم رمضان بورتريهًا وصفت فيه العمامة، والجلباب، والشارب الكثيف، وحتى طعم "جيلاتي المانجو"، مما جعل المشهد حيًّا أمام عين القارئ.
وتُبرز القصة فكرة رد الجميل حيث تحول الامتنان إلى "مشروع" (محل بائع السعادة) إنها لمسة إبداعية تُنهي القصة بالأمل بدلاً من مجرد الحزن على تقدم العمر.
ليس شك إنه نص سردي ممتع، يجمع بين البساطة والعمق، ويحمل قيمة أخلاقية عالية. وقد ركزت بداية القصة على رسم ملامح "الزمن الجميل" وشخصية عم رمضان (بائع الجيلاتي)، وهو استهلال عاطفي يمهد للقارئ الارتباط بالشخصية. وجاء الحدث صاعدًا من خلال انتقال البطلة من الطفولة إلى المهنة (الطب) تنفيذًا لوصية الأب، وصولاً إلى لحظة دخول الرجل العجوز (بائع الجيلاتي) للمستشفى.
وجاءت الذروة من خلال لحظة التعرف (كانت من طرف واحد)؛ فالطبيبة تعرف المريض، بينما هو غافلٌ عن هويتها، مما خلق توترًا دراميًّا داخليًّا. ثم جاءت لحظة المكاشفة ورد الجميل، والوعد بمستقبل يُعيد إحياء الماضي متمثلا في (افتتاح المحل "بائع السعادة").
ولعلنا لاحظنا أن "جيلاتي المانجو" بالقصة، ليس مجرد حلوى، بل هو رمز للسعادة البريئة. و"لقب دكتورة" للطفلة الصغيرة جاء رمزًا للاستبصار والإيمان بالقدرات. وتكمن المفارقة في تبادل الأدوار؛ مَن كان يُفرح الأطفال ببرودة الجيلاتي، أصبح الآن يحتاج لمن يداوي حرارةَ ألم صدره.
إن هذا النص القصصي غني بالألوان (عربة مدهشة، ألوان مبهجة، عمامة بيضاء، ملامح سمراء)، مما جعل القصة قابلة للتخيل السينمائي.
وقد استخدمت الكاتبة لغة تمزج بين الفصحى المنسابة وبعض المفردات القريبة من الوجدان الشعبي (قروش، جلباب فضفاض، ضفائر)، مما أعطى النص واقعيته. وغلب على الأسلوب عملية "الاسترجاع" (Flashback) في البداية، ثم الحوار القصير والمكثَّف في النهاية، وهو حوار كشف عن مكنونات النفس دون إطالة مملة.
وجاء اختيار عنوان القصة "بائع السعادة" موفقَا جدًّا، لأنه نقل الشخصية من إطارها المهني الضيق (بائع جيلاتي) إلى إطار إنساني رحب.
وكما لاحظنا في قصة "دوَّار غالية" إنها كانت تتمحور حول قيمة "الوفاء"؛ لاحظنا أيضًا في "بائع السعادة" القيمة نفسها من خلال الطبيبة التي لم تنسَ مَنْ أسعدها في صغرها، وهذا يعكس توازنًا نفسيًّا وتقديرًا للذكريات.
وقد قرأنا نداء "يا ست الدكتورة" الذي كان بمثابة "نبوءة ذاتية التحقق" حيث غرس عم رمضان في وعي الطفلة هدفًا نبيلًا دون أن يدري.
القصة مشبعة بالحنين للماضي، لكنه ليس حنينًا سلبيًا أو حزينًا، بل هو حنين "مُنتج" يسعى لتطوير الماضي (تحويل العربة إلى محل فخم). لقد شعرت الطبيبة بمرور عشرين عامًا في لحظة واحدة عندما رأت عم رمضان، مما يعني أن الزمن الشعوري أقوى من الزمن التقويمي.
وتكمن المفارقة الزمنية في هذا النص من خلال الربط بين ثلاثة أزمنة: الماضي: (فترة الطفولة والعربة القديمة). الحاضر: (لحظة المرض والعلاج والمواجهة). المستقبل: (مشروع "بائع السعادة" المشترك). إن هذا التكثيف الزمني في قصة قصيرة يلخص عشرين عاماً في جملة واحدة ("تخرجتُ وعملتُ بمستشفى الحي")، يركز الضوء على اللحظة التنويرية في المستشفى.
إذن هي قصة تحتفي بـالإنسانية؛ فما تزرعه في قلوب الأطفال من كلمات حب، ستحصده في شيخوختك رعايةً وحنانًا. لقد نجحت القصة في تحويل مشهد طبي جامد إلى لوحة إنسانية نابضة بالحياة. فبين نداءٍ عابر في الطفولة (يا دكتورة) ومشرط جرَّاح في الكبر، تمتدُّ حبال الوفاء.
احتوت المجموعة القصصية "دوَّار غالية" للكاتبة غادة مأمون التي وردت بها قصة "بائع السعادة" على ثماني عشرة قصة قصيرة، ومن خلال قراءتنا لها نستطيع أن نقول إن أسلوبها ينتمي إلى المدرسة الرومانسية الاجتماعية، حيث ترتكز أعمالُها على المزج بين العاطفة والرسالة، فهي تحرص على التوازن بين الحكاية المشوقة والهدف الأخلاقي أو القيمي الذي تسعى لإيصاله. فضلا عن النزعة الواقعية التأملية حيث يجمع سردُها بين رصد الواقع الإنساني والتعمق في التأمل الداخلي، خاصة فيما يتعلق بتقاطعات الذات الأنثوية مع الواقع. كما أنها تركز على القضايا الاجتماعية حيث تنطلق كتاباتها من إحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع، مع التركيز على القضايا التي تمس الأسرة المصرية، وإبراز التجارب الشعورية من خلال نصوصها التي تعكس تنوع التجارب الوجدانية والوجودية التي تمر بها المرأة في مختلف مراحل حياتها. كما تهدف من خلال أسلوبها السردي إلى "زرع القيم" وتقديم مرآة للقراء، ليروا فيها أنفسَهم وتحدياتِهم اليومية.
من أبرز أعمال الكاتبة غادة مأمون التي تجسد هذا الأسلوب رواية "عندما يتحدث الصمت" والمجموعة القصصية "حكاية العمر"، ثم المجموعة القصصية "دوَّار غالية".