الكرتون العربي (4)
صراع تشكيل الوعي لأطفال العرب بين "مؤسسة الخليج" و"مركز الزهرة"
على امتداد نحو خمسة عقود، لم تكن برامج الأطفال العربية مجرد مادة ترفيهية تقدم في وجبات سريعة لأطفال العرب ، بل كانت مشروع ثقافي متكامل أسهم في تشكيل وعي أجيال عربية كاملة ، وبينما قادت مرحلة التأسيس التربوي الهادئ، جاءت لاحقاً ليعيد رسم ملامح الخيال العربي عبر بوابة الأنيمي الياباني المدبلج.
إنه صراع ناعم بين مدرستين مختلفتين في الأسلوب، متفقتين في الاهداف ، الأولى اعتمدت على التربية والقيم المباشرة، والثانية راهنت على اللغة والحماس والدراما، لكن كلتيهما نجحتا في الوصول إلى عقل ووجدان الطفل العربي.
مدرسة الخليج.. التربية أولاً
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فرضت نفسها باعتبارها المرجعية الأبرز لإنتاج برامج الطفل العربي، مدعومة برؤية رسمية وإمكانات إنتاجية كبيرة، هدفت إلى بناء " المواطن العربي الصالح " عبر الشاشة.
اعتمدت المؤسسة على المزج بين البرامج التعليمية والدراما الموجهة، فظهرت أعمال جمعت بين العرائس والممثلين والرسوم المتحركة، بروح تربوية واضحة، دون أن تفقد عنصر المتعة.
وكان برنامج " افتح يا سمسم " أبرز تجليات هذه المرحلة، إذ تحول إلى مشروع ثقافي عربي واسع النطاق، استهدف ترسيخ اللغة العربية والقيم الاجتماعية والتربوية لدى الأطفال، إلى جانب أعمال خالدة مثل " عدنان ولينا " التي قدمت مفاهيم التضحية والصداقة والوفاء في قالب إنساني مؤثر.
ونجحت هذه المدرسة في ترسيخ ما يمكن وصفه بـ " اللغة البيضاء " وهي العربية الفصحى المبسطة القريبة من مختلف اللهجات العربية، والذي جعل المحتوى مقبولاً داخل البيوت المحافظة، وقادراً على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية بين الدول العربية.
مركز الزهرة.. حين تحول الأنيمي إلى مشروع ثقافي
مع بداية التسعينيات، ظهر " مركز الزهرة " بوصفه لاعباً جديداً قلب موازين سوق برامج الأطفال، خاصة مع صعود قناة " سبيستون " التي صنعت ظاهرة إعلامية غير مسبوقة في العالم العربي.
انتقل مركز الثقل من البرامج التربوية التقليدية إلى عالم الأنيمي الياباني المليء بالإثارة والخيال والمغامرة، لكن التجربة لم تقف عند حدود الدبلجة، بل ذهبت إلى ما يشبه " إعادة إنتاج" العمل ثقافياً بما يتلائم مع البيئة العربية.
لم يكن مركز الزهرة يترجم النصوص حرفياً، بل أعاد صياغتها بروح عربية محافظة، فحول الشخصيات اليابانية إلى نماذج قريبة من وجدان الطفل العربي، مع الحفاظ على قيم الشجاعة والوفاء والعمل الجماعي والانتصار للخير.
وكانت فكرة " الكواكب " واحدة من أبرز أدوات النجاح، إذ قسمت اهتمامات الأطفال وفق تصنيفات نفسية وموضوعية جذابة، فيما لعبت الأغاني دوراً محورياً في ترسيخ الهوية العاطفية للقناة، باصوات طارق العربي ورشا رزق فمنحا باصواتهما شارات البداية والنهاية طابعاً وجدانياً لا يزال حاضراً في ذاكرة جيل كامل.
وربما كانت أبرز بصمة لمركز الزهرة هي تمسكه الصارم باللغة العربية الفصحى، بمخارج حروف دقيقة وتراكيب لغوية قوية، الأمر الذي منح الأطفال حصيلة لغوية وثقافية تفوق أعمارهم، وجعل " لغة سبيستون" علامة فارقة في تاريخ الدبلجة العربية.
بين المدرستين.. اختلاف الأسلوب ووحدة التأثير
رغم اختلاف المرجعيات، فإن المدرستين تقاطعتا في هدف أساسي يتمثل في صناعة جيل عربي يحمل منظومة قيم واضحة.
فمدرسة الخليج انطلقت من رؤية حكومية ذات طابع تربوي مباشر، بينما تحرك مركز الزهرة بعقلية القطاع الخاص القادر على فهم التحولات السريعة في ذائقة الأطفال والمراهقين.
كما أن المؤسسة الخليجية اعتمدت على الإيقاع الهادئ والبرامج التفاعلية والقصص الإنسانية الكلاسيكية، في حين اتجهت مدرسة دمشق إلى الإثارة والخيال العلمي والمعارك الدرامية التي ميزت الأنيمي الياباني.
أما على مستوى اللغة، فقد فضلت مؤسسة الخليج فصحى مرنة وقريبة من اللهجات، بينما اختار مركز الزهرة فصحى أكثر صرامة وبلاغة، حتى تحولت إلى مدرسة لغوية قائمة بذاتها.
انتقادات لم تمنع النجاح
ورغم النجاح الكبير، لم تسلم التجربتان من الملاحظات النقدية ، فقد وُجهت انتقادات إلى التجربة الخليجية بسبب بطء التطوير الإداري والتقني، واعتمادها لفترات طويلة على أمجاد الماضي، خاصة نجاح ، دون إنتاج طفرة جديدة تضاهي تأثيره.
في المقابل، تعرض لانتقادات تتعلق بالمبالغة أحياناً في الرقابة وإعادة صياغة بعض الأعمال، بما أثر على الحبكات الأصلية، إضافة إلى تكرار بعض المسلسلات بسبب محدودية الميزانيات خلال فترات معينة.
من المنتصر في النهاية؟
في الحقيقة، لا يبدو أن هذا الصراع انتهى بخاسر أو منتصر ، ففد نجحت في غرس البذور الأولى للقيم والتربية، بينما منح الطفل العربي لغة أكثر قوة وخيالاً أكثر اتساعاً.
والنتيجة أن جيلاً عربياً كاملاً خرج من رحم المدرستين معاً ، يحمل رصانة اللغة التي صنعتها "الزهرة " ويحتفظ في الوقت ذاته بعمق القيم التي أرستها "مؤسسة الخليج".
في الحلقة القادمة : الانيمي المصري كيف بدأ واين وصل ؟