هل ينجح نتنياهو في تغيير الحسابات الأمريكية تجاه حرب إيران؟|تقرير
يشير الواقع الفعلي بعد الهجمات العنيفة التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد الجمهورية الإيرانية الإسلامية، إلى حالة صراع ممتد وغير مباشر، وهذا الصراع يتخذ أشكالًا متعددة، ويظهر على هيئة توترات متقطعة تشمل ضربات عسكرية محدودة، وعمليات في البحر، وهجمات سيبرانية، إضافة إلى استهداف أطراف إقليمية مرتبطة بالنفوذ الإيراني في أكثر من ساحة.
ويمكن تقسيم هذا المشهد إلى محاور رئيسية توضح طبيعة العلاقة بين الطرفين ودوافع التصعيد؛ ولفهم الصورة بشكل أوضح بعيداً عن التفسيرات الإعلامية المتداخلة، حيث بدأ حالة العداء السياسي والأمني بين واشنطن وطهران منذ عام 197؛ لكنها لم تتطور إلى حرب شاملة مباشرة، بدل ذلك تحولت إلى نمط من الصراع المركب يشمل عدة مستويات، من أبرزها العقوبات الاقتصادية الواسعة التي فرضت على إيران، والمواجهات غير المباشرة في ساحات إقليمية مثل (العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان)، إضافة إلى عمليات بحرية مرتبطة بأمن الطاقة في الخليج العربي.

تبادل ضربات محدودة.. وحماية القواعد العسكرية
وأحيانًا تبادل ضربات محدودة في لحظات تصعيد معينة، ويبرز هنا عامل أساسي وهو أن الطرفين رغم هذا التصعيد يحرصان على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، لأن كلفتها ستكون كبيرة جدًا على مستوى الإقليم والعالم خاصًة فيما يتعلق بأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية، أما مسألة التصعيد أو ما يوصف أحيانًا بالضربات العنيفة، فهي لا تحدث بشكل عشوائي أو مفاجئ، بل ترتبط عادة بجملة من الأهداف السياسية والعسكرية المتداخلة.
وفي مقدمة هذه الأهداف يأتي مفهوم الردع وإظهار القوة، حيث تلجأ الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات محدودة بهدف إيصال رسالة بأنها قادرة على الردع دون الدخول في حرب مفتوحة، وفي المقابل، تعتمد إيران على شبكة نفوذها الإقليمي عبر حلفاء في العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان؛ لإظهار قدرتها على الضغط والموازنة، بجانب ذلك، هناك اعتبارات تتعلق بحماية المصالح الاستراتيجية بالنسبة لواشنطن، تتركز هذه المصالح في ضمان استمرار تدفق النفط من منطقة الخليج، وتأمين أمن إسرائيل، والحفاظ على حرية الملاحة في الممرات البحرية المهمة مثل مضيق هرمز.
إضافة إلى حماية قواعدها العسكرية المنتشرة في المنطقة، أما بالنسبة لجمهورية إيران الإسلامية، فأن أولوياتها تتمثل في تقليص العقوبات المفروضة عليها، ومنع المزيد من الضغوط الاقتصادية أو محاولات الحصار، والحفاظ على نفوذها الإقليمي، وضمان عدم تعرض نظامها السياسي لضغوط قد تهدد استقراره، كما أن جزءًا مهمًا من هذا التصعيد يرتبط بما يمكن تسميته بـ(التفاوض عبر الضغط)، حيث لا يكون الهدف من التصعيد العسكري الوصول إلى حرب مباشرة؛ بل تحسين شروط التفاوض السياسي، بمعنى آخر يستخدم كل طرف مستوى معينًا من الضغط لتعزيز موقعه قبل الدخول في أي تسوية محتملة.

ولا يمكن إغفال دور العوامل الداخلية في كل من الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، حيث تلعب السياسة الداخلية دورًا مؤثرًا في توجيه المواقف الخارجية في الولايات المتحدة، قد يتعرض أي رئيس لضغوط داخلية إذا بدا متساهلاً مع إيران، أما بالنسبة للجمهورية الإسلامية أي تنازلات كبيرة قد تُفسر داخليًا على أنها ضعف سياسي، أما في الكيان الصهيوني فأن الملف الإيراني يُعامل باعتباره قضية أمن قومي ذات أولوية قصوى.
إسرائيل تمتلك تأثير واضح في السياسة الأمريكية
وفي هذا السياق يبرز دور إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الذي يُعتبر إيران التهديد الاستراتيجي الأبرز لإسرائيل؛ إذ يتركز توجهه السياسي والأمني على منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، والحد من نفوذها في سوريا ولبنان، إضافة إلى الدفع باتجاه موقف أمريكي أكثر تشدداً تجاه طهران، وهنا يطرح السؤال حول مدى قدرة إسرائيل على دفع الولايات المتحدة نحو حرب مباشرة.
ولكن الإجابة التي تتكرر في أغلب التحليلات هي، أن إسرائيل تمتلك تأثيرًا واضحًا في السياسة الأمريكية، لكنها لا تتحكم بقرار الحرب، فالتأثير شيء والقرار النهائي شيء آخر مختلف تمامًا، والولايات المتحدة تتخذ قراراتها العسكرية بناء على منظومة معقدة تشمل وزارة الدفاع (البنتاجون) والمؤسسات الاستخباراتية والكونجرس، إلى جانب الحسابات الاقتصادية والأمنية الأوسع.
وأي حرب مع إيران بالنسبة للولايات المتحدة، تعني احتمالات استنزاف طويل الأمد، وتهديد القواعد الأمريكية في الخليج، وإمكانية تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى خطر توسع الصراع ليشمل مناطق متعددة في الشرق الأوسط، كما أن الحرب سيكون لها تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي، نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وهو عامل بالغ الحساسية.

من جهة أخرى، يظل الرأي العام الأمريكي عاملًا مؤثرًا، خاصة بعد التجارب السابقة في العراق وأفغانستان، حيث أصبحت هناك حساسية كبيرة تجاه الحروب الطويلة والمكلفة، وحتى في حالة قيادات سياسية مثل دونالد ترامب، الذي يتسم بخطاب متشدد في بعض الأحيان، فأن السلوك الفعلي غالبًا ما يميل إلى تجنب الحروب المفتوحة والاعتماد على الضغط الاقتصادي أو التفاوض من موقع قوة بدلًا من الانخراط في صراعات طويلة.
استهداف واسع أو انهيار كامل للمفاوضات
وبناء على ذلك، لا يبدو أن السيناريو الأقرب هو اندلاع حرب شاملة، بل استمرار نمط التصعيد المحدود والمتقطع، سواء عبر ضربات موضعية أو حرب استخباراتية أو ضغط اقتصادي متبادل، يعقبه في كثير من الحالات العودة إلى طاولة التفاوض تحت الضغط، أما الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران، فهي تظل احتمالًا ضعيفًا؛ لكنه غير مستبعد تمامًا، ويتطلب وقوع أحداث كبرى واستثنائية مثل استهداف واسع للقوات الأمريكية، أو انهيار كامل للمفاوضات مع تصعيد خارج عن السيطرة، أو اشتباك مباشر واسع في منطقة الخليج.
وفي المحصلة، تتفق أغلب التحليلات الصادرة عن الصحف الغربية، ومراكز الأبحاث على، أن إسرائيل تستطيع دفع الملف الإيراني إلى واجهة التصعيد ورفع مستوى التوتر؛ لكنها لا تستطيع فرض قرار الحرب على الولايات المتحدة، والقرار الأمريكي يبقى محكومًا باعتبارات أوسع تشمل الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، والقدرات العسكرية، والرأي العام الداخلي، وهو ما يجعل خيار الحرب الشاملة أقل ترجيحًا مقارنة بخيارات الردع والتصعيد المحدود.
وبالتالي، فإن دور نتنياهو في هذا السياق يُفهم على أنه محاولة مستمرة لتوجيه السياسة الأمريكية نحو تشدد أكبر تجاه إيران، وليس القدرة على جر واشنطن إلى حرب شاملة بمفرده، لأن القرار النهائي في النهاية يبقى أمريكيًا خالصًا تحكمه حسابات معقدة تتجاوز أي طرف إقليمي منفرد.