رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الدلتا الجديدة.. مشروع قومي عملاق يعيد رسم خريطة الزراعة والتنمية في مصر

الدلتا الجديدة
الدلتا الجديدة

تمضي الدولة المصرية بخطوات متسارعة نحو بناء نموذج تنموي متكامل يعتمد على التوسع الزراعي والتصنيع والإدارة الذكية للموارد، من خلال مشروع «الدلتا الجديدة» الذي يعد أكبر مشروع زراعي وتنموي متكامل في تاريخ مصر الحديث، وأحد أكبر مشروعات التوسع الزراعي على مستوى العالم.

ويقع المشروع غرب الدلتا القديمة بإمتداد محور الشيخ زايد، ليربط بين محافظات مطروح والبحيرة والجيزة والفيوم، مستهدفًا إنشاء قاعدة إنتاجية زراعية وصناعية وعمرانية متكاملة، بما يعزز الأمن الغذائي، ويرفع معدلات الإنتاج، ويوفر فرص عمل واسعة، ويخلق مجتمعات إنتاجية جديدة تعتمد على أحدث نظم الإدارة والتشغيل.

ويمتد مشروع الدلتا الجديدة على مساحة تصل إلى 2.2 مليون فدان، في إطار رؤية استراتيجية تستهدف تحقيق تنمية مستدامة قائمة على تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية والبنية التحتية الحديثة والتكنولوجيا المتطورة.

أهداف استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي

يرتكز المشروع على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية التي تمثل محورًا رئيسيًا في رؤية الدولة للتنمية الزراعية، وفي مقدمتها تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية، وتقليل الفجوة الاستيرادية، وزيادة الرقعة الزراعية، إلى جانب دعم منظومة التصنيع الزراعي وتعظيم القيمة المضافة للإنتاج.

كما يستهدف المشروع إنشاء مجتمعات عمرانية وإنتاجية جديدة، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتعزيز تنافسية الصادرات الزراعية المصرية، فضلًا عن رفع كفاءة استخدام المياه والطاقة.

الزراعة الذكية وتكنولوجيا الإدارة الحديثة

يعتمد مشروع الدلتا الجديدة على منظومة متطورة من تقنيات الزراعة الذكية وإدارة الموارد، حيث يتم استخدام نظم الري بالتنقيط والري المحوري، إلى جانب تطبيق أنظمة التحكم الرقمي والاستشعار عن بُعد لإدارة عمليات الري والتسميد.

كما يشهد المشروع توسعًا في الزراعة العضوية واستخدام نظم مراقبة الإنتاج بالتكنولوجيا الحديثة، بالإضافة إلى تطبيق نظم تشغيل ذكية داخل البنية الزراعية، بما يحقق أعلى معدلات الكفاءة الإنتاجية مع ترشيد استهلاك المياه والطاقة وتقليل الفاقد.

منظومة مائية عملاقة لتأمين احتياجات المشروع

تمثل منظومة المياه أحد أهم عناصر القوة داخل مشروع الدلتا الجديدة، حيث يعتمد المشروع على شبكة مائية متكاملة تُعد من الأكبر والأكثر تطورًا في المنطقة.

ويتم توفير المياه اللازمة للمشروع من خلال ثلاثة مصادر رئيسية تشمل المياه السطحية، ومياه الصرف الزراعي المعالج، والمياه الجوفية، حيث يتم إمداد المشروع بنحو 10 ملايين متر مكعب يوميًا من المياه السطحية، إلى جانب 7.5 مليون متر مكعب يوميًا من مياه الصرف الزراعي المعالج.

وشهد المشروع تنفيذ بنية تحتية ضخمة تضمنت إنشاء مسارات مائية رئيسية بطول 697 كيلومترًا من القنوات المفتوحة، ومد خطوط مواسير رئيسية وفرعية بطول يصل إلى 9100 كيلومتر، بالإضافة إلى إنشاء 28 محطة رفع رئيسية و388 بوستر وتشغيل أكثر من 8100 جهاز ري محوري.

كما تم تنفيذ شبكة طرق بطول 12 ألف كيلومتر، وإنشاء 18 محطة محولات كهرباء بقدرات تصل إلى 2051 ميجا فولت أمبير، إلى جانب تنفيذ شبكات كهرباء تضم 121 ألف عمود بأطوال تصل إلى 19 ألف كيلومتر.

التوسع في المحاصيل الاستراتيجية

يولي جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة اهتمامًا كبيرًا بتوسيع الرقعة الزراعية وتنويع التركيب المحصولي داخل المشروع، بما يدعم منظومة الأمن الغذائي الوطني ويقلل الاعتماد على الاستيراد.

وتشمل الخطة الزراعية التركيز على المحاصيل الاستراتيجية وعلى رأسها القمح، باعتباره أحد أهم المحاصيل الأساسية التي تستهدف الدولة من خلالها تحقيق الاكتفاء الذاتي.

كما يتم التوسع في زراعة بنجر السكر لتقليل الفجوة الاستيرادية وتحقيق الاكتفاء المحلي، إلى جانب التوسع في زراعة الكتان باعتباره محصولًا متعدد الاستخدامات يدخل في الصناعات الغذائية وإنتاج الأعلاف.

ويشارك في تنفيذ المنظومة الزراعية داخل المشروع أكثر من 250 شركة زراعية واستثمارية، في نموذج متطور للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.

محطة «نبع».. قلب منظومة المياه

تُعد محطة الرفع الرئيسية رقم 3 والمعروفة باسم محطة «نبع» إحدى الركائز الأساسية في منظومة نقل المياه داخل مشروع الدلتا الجديدة، حيث تقوم برفع تصرف مائي يصل إلى نحو 9.75 مليون متر مكعب يوميًا.

وتغذي المحطة نحو 80% من مشروع الـ300 ألف فدان، بالإضافة إلى 100% من مشروع الـ400 ألف فدان، بما يعكس أهميتها الاستراتيجية في دعم التوسع الزراعي.

وتخدم المحطة زمامًا زراعيًا يقدر بنحو 470 ألف فدان، وتعتمد على نظام تشغيل وتحكم رقمي متكامل مرتبط بمنظومة SCADA الرئيسية للمشروع، بما يسمح بالإدارة اللحظية عن بُعد لكافة العمليات التشغيلية.

وتضم المحطة 11 مضخة بقدرات تشغيلية متطورة، إلى جانب منظومات تحكم ومحولات كهربائية وأنظمة تهوية وإنذار ومكافحة حريق وأنظمة رقمية متقدمة لقياس التصرفات والضغوط والمناسيب.

التصنيع الزراعي وتعظيم القيمة المضافة

وفي إطار تعظيم القيمة المضافة للإنتاج الزراعي، تم إنشاء مدينة «مستقبل مصر الصناعية» لتحويل المحاصيل الزراعية إلى منتجات مصنعة جاهزة للتداول والتصدير.

وتضم المدينة مجموعة متكاملة من مصانع العصائر والخضروات والفواكه المجمدة والمركزات والسكر والنشا والجلوكوز والأعلاف والمربى والصلصة واللحوم المصنعة والبطاطس نصف الجاهزة، إلى جانب ثلاجات التبريد والتجميد ومحطات التعبئة والتغليف والخدمات اللوجستية المتطورة.

ويمثل التصنيع الزراعي أحد المحاور الرئيسية داخل المشروع، بما يسهم في دعم الصادرات المصرية وتحقيق قيمة اقتصادية مضافة للإنتاج المحلي.

مركز سفنكس لتجارة المحاصيل

ويضم المشروع أيضًا مركز «سفنكس» لتجارة المحاصيل، والذي يُعد أكبر سوق متكامل لتجارة الحاصلات الزراعية في الشرق الأوسط، حيث يمتد على مساحة تقارب 500 فدان.

ويشمل المركز أسواقًا متخصصة للخضروات والفواكه والبقوليات والأسماك، إلى جانب مخازن مبردة ومجمدة، ومحطات فرز وتعبئة وتغليف، وبورصة للحاصلات الزراعية، ومركزًا للمال والأعمال، وخدمات حكومية ولوجستية متكاملة.

التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر

يعتمد مشروع الدلتا الجديدة على مفاهيم التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر من خلال إعادة استخدام المياه ومعالجتها، وترشيد استهلاك الطاقة، وتطبيق نظم تشغيل ذكية، والتوسع في الزراعة المستدامة وتقليل الفاقد.

كما يسهم المشروع في خلق فرص عمل واسعة داخل المجتمعات الجديدة، حيث يوفر نحو 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وأكثر من 360 ألف فرصة عمل غير مباشرة.

ويمثل مشروع الدلتا الجديدة نموذجًا متكاملًا لقدرة الدولة المصرية على تنفيذ مشروعات قومية عملاقة تعتمد على التخطيط العلمي والرؤية طويلة المدى، بما يعزز الأمن الغذائي ويدعم الاقتصاد الوطني ويفتح آفاقًا جديدة للتنمية المستدامة في مصر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء