رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في 11 مايو 1953 كان جون فوستر دالاس أول وزير خارجية أمريكية يزور الشرق الأوسط . لتوجيه القوة الصاعدة للوطنية الثورية ، حيث كان يدرك أن بؤرة الحرب الباردة ، تنتقل من أوروبا إلى العالم الثالث ، فيما بعد الاستعمار . وكان دالاس متحمسا لأن يرى مصر ، الدولة الذي اعتبرها مفتاح تطور قوة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ، ولذا كانت القاهرة أول محطاته ، في جولة شملت 12 دولة ، واستغرقت ثلاث أسابيع . وقد ذكرت الصحافة أهمية موقعها الاستراتيجي على حرية وأمن العالم الحر. 

 

يقول الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية الأسبق : "بعد اجتماع ودي معي ، ثم مع اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة وقتئذ ، أجرى دالاس مباحثات مع عبد الناصر ، واستعرضا الموقف في الشرق الأوسط . وأقنعت الجولة دالاس بأن شمس بريطانيا قد غربت ، كما حدث في الهند ، وأن النظام الشمسي الأمريكي قد حل محلها . ولقد كان يريد مساعدة عبد الناصر في مكافحة خطر الشيوعية العالمية . ولكنه واجه صعوبة في إقناعه بأن روسيا تهدد مستقبل مصر ، أكثر من الاحتلال البريطاني في الداخل ، والجيش الإسرائيلي من الخارج . 

 

وسأل عبد الناصر الوزير دالاس : كيف أذهب إلى شعبي وأقول له إني قلق بشأن شخص يمسك سكين على بعد آلاف الأميال ، وأتجاهل قاتلًا بيده مسدس ، على بعد ستين ميل من قناة السويس ؟ . فلم تكن لنا مع الاتحاد السوفييتي أية متاعب ، فهم لم يسبق لهم مهاجمتنا . ولم يكن لهم قاعدة هنا ، لكن البريطانيين كانوا هنا لسبعين عامًا". وأدت محادثات الوزير جون فوستر دالاس مع عبد الناصر في القاهرة في مايو 1953، إلى وضع فكرة منظمة MEDO على الرف نهائيًا

 

يقول المؤرخ والصحفي الأمريكي جيفري أرونسون : "من المفارقات أن معارضة مصر لخطط الدفاع الغربية ، دفعت دالاس إلى التطلع شمالًا ، لما أطلق عليه الحزام الشمالي ، وقد أصبحت عازفة عن الانضمام لحلف بغداد بصورة كاملة وسافرة ، وبطريقة تركت كل الأطراف المعنية ، في حالة استياء من أداء الولايات المتحدة. فقد كان إعلان قرار أمريكي بانضمام أمريكي إلى حلف بغداد ، من شأنه أن يضع الولايات المتحدة وجهًا لوجه مع مصر ، مما كان سيزيد من تعقيد العلاقات مع أهم مصدر للنفوذ في الشرق الأوسط العربي" . 

 

بدأت المفاوضات المصرية - البريطانية عام 1953 ، بإزالة الذريعة البريطانية والعقبة الكؤود في كل مفاوضات ، وهي موضوع السودان ، بإعطاء السودانيين حق تقرير المصير بالاختيار بين الوحدة مع مصر أو الاستقلال فاختاروا الاستقلال . وانطلقت بعد ذلك المفاوضات فيما يخص الجلاء عن قاعدة قناة السويس ، ثم جمعت قيادة الثورة بين التفاوض والكفاح المسلح من جهة ، والتحالف مع الأمريكان في مواجهة الإنجليز من جهة أخرى ، حتى توصلت إلى توقيع اتفاق الجلاء في 19 أكتوبر عام 1954 .  والإضافة الجديدة للضباط الأحرار ، التي أدخلوها على الفكر السياسي المصري ، ولم يكن الوفد المصري يعطيها اهتمامًا ، هي النظرة للقضية الوطنية في إطار إدراك للصراعات الدائرة في المحيط الإقليمي والنظام العالي ، ومركز مصر فيها وفقًا للبعدين الجيوسياسية والجيو ثقافية . 

 

فنظرًا لمعاصرة الضباط الشبان للحرب العالمية الثانية وتعقيداتها ، والتحولات التي حدثت في أعقابها ، بل ونتيجة لمشاركتهم فيها ودراستهم للاستراتيجية ، ودخول جيوش الجيوش الدول الأوروبية للأراضي المصرية   في الحرب العالمية الثانية ، حيث كانت معركة العلمين إحدى معاركها الكبرى. 

 

كل ذلك كوَّن ثقافة سياسية ، ورؤية مختلفة للقادة الشبان الجدد ، عن جيل الحقوقيين الذي تصدى لقادة الحركة الوطنية منذ ثورة 19. وقد عبر عنها جمال عبد الناصر في كتابه فلسفة الثورة ، بالدوائر الثلاث للسياسة الخارجية المصرية، وهي العربية والإسلامية والأفريقية ، واتسعت في مؤتمر باندونج لتشمل حركة عدم الانحياز لتشمل العالم الثالث . 

 

كان للأداتين الإعلامية والدبلوماسية ، في تنفيذ السياسة الخارجية . وفق طبيعة ظروف مصر التي تخوض مرحلة تحرر وطني . وأصبح واضحًا للقادة الجدد ، أهمية الرأي العام العالمي والرأي العام العربي والتكتلات الدولية في دعم حركات التحرر . ثم كان كسر احتكار الغرب للسلاح ، بصفقة الأسلحة التشيكية عام 1955، الذي يُعَد التأسيس الجديد للجيش المصري . فجيش عرابي الذي بناه محمد على قد تم حله واستبداله ، بجيش صغير بقياد إنجليزية عام 1882، ولما أصبحت قيادته مصرية بعد معاهدة 36 ، كانت تصاحبها بعثة عسكرية إنجليزية للإشراف عليه ، وكان ذلك دون تسليح حقيقي ، وقد اتضح ذلك في حرب فلسطين . .

ثم كان الاعتداء الإسرائيلي على معسكر الجيش المصري في 28 فبراير 1955 ، التحدي الحاسم الذي حوَّل أولويات الحكم ، من حصر الاهتمام في البناء والتنمية إلى الاهتمام بالتسليح . فكان التوجه للحصول  على السلاح من الاتحاد السوفيتي . مما أدى إلى رفض أمريكا تمويل مشروع السد العالي ، كعقاب لمصر على حصولها صفقة السلاح السوفيتي ، فرد عبد الناصر بتأميم قناة السويس ، الذي واجهته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالعدوان الثلاثي . 

 

وقد فشل العدوان في تحقيق أهدافه ، وسقطت حكومات الدول الثلاث ، باستقالة إيدن رئيس الحكومة البريطانية ، وجي موليه رئيس الحكومة الفرنسية ، وبن جورين رئيس الحكومة ، مما ترتب عليه بروز جمال عبد الناصر زعيمًا عربيًا وعالميًا . وقد كانت من نتائجها أن تبوأت مصر مكانة سياسية عالمية كبيرة .

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء