تخفي وجعها خلف ابتسامة بلا أسنان
الحاجة فاطمة.. أرملة تكابد على الرصيف لرعاية ابنها المريض
من يلمحها للوهلة الأولى يظنها كومة قماش ملقاة على الرصيف، تختبئ خلف السيارات وكأنها تخشى عيون المارة، وترتدي ملابس سوداء ثقيلة لا تناسب حرارة الجو، بينما يزين رأسها إيشارب بألوان هادئة تحاكي الطبيعة، كأنها مرآة لخجلها وصبرها.
ورغم قسوة الظروف، ترفض الحاجة فاطمة أن تروي معاناتها للغرباء أو أن تمد يدها طلبًا للمساعدة، تكتفي بحمد الله على رزق اليوم، وتترك أمر الغد للقدر، وإذا ما دققت النظر في وجهها، سترى فيه ملامح شوارع مصرية قديمة، تتجلى في التجاعيد التي تحكي عمرها الذي تجاوز الستين، لكنها تحاول إخفاءه بلف طرحتها حول وجهها لتتوارى عن المارة.
أرملة تكابد على الرصيف
وتصف الحاجة فاطمة (97 عاما)، الأرملة التي ترعى ابنها المريض، حياتها بأنها "تعركلت" منذ رحيل الزوج والابن معًا، لم تجد سوى الشارع ملاذًا تسند إليه ظهرها، باحثة عن رزق حلال من بيع المناديل الورقية.
ولكن الأقدار لم تكتفِ بذلك؛ فابنها الوحيد، المصاب باضطرابات نفسية، أصيب مؤخرًا بفشل كلوي يستلزم غسيلًا دوريًا، لتتضاعف المعاناة وتزداد الأعباء فوق كتفيها النحيلتين.
دخل هزيل
وتقطن فاطمة شقة صغيرة بالإيجار في حي روض الفرج، ولا يتجاوز دخلها الثابت 300 جنيه شهريًا هو قيمة معاش زوجها الراحل، الذي كان يعمل مزارعًا، لا تملك سوى أكياس المناديل التي تبيعها، وابتسامة بلا أسنان لكنها مشبعة بالأمل والرضا، ورغم الفقر المدقع، تصرّ على ألا تمد يدها طلبًا للمال، فالكرامة رأس مالها الوحيد.
معاناة مضاعفة
إلى جانب الفقر، تعاني فاطمة من مشكلات في عينيها تجعلها في أحيان كثيرة غير قادرة على تمييز العملات الورقية، وهو ما يعرّضها لمضايقات في الشارع.
وتقول وهي تمسح بيدها على وجهها المتعب: "ما عنديش معاش تكافل وكرامة، ولا بطاقة خدمات متكاملة، نفسي أعمل الإجراءات دي.. يمكن تخفف عني وعن ابني شوية".
ابتسامة تصرّ على البقاء
ورغم كل شيء، تحتفظ الحجة فاطمة بنظرة بسيطة للحياة، لا يغشاها التشاؤم، تبتسم دائمًا، وكأنها تقاوم بها ما تبقى من قسوة الأيام، ابتسامة بلا أسنان، لكنها مليئة بإصرار على الصمود، وأمل في غدٍ ربما يكون أقل وجعًا.

