رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«الحج عند الأدباء».. رحلة الروح من طه حسين إلى هيكل والغيطاني

الحج في الأدب
الحج في الأدب

في لحظات قليلة من التاريخ الإنساني تتجلى فيها الروح في أسمى صورها، تأتي شعيرة الحج باعتبارها تجربة تتجاوز الجسد إلى المعنى، وتتحول فيها الرحلة إلى حالة من الصفاء الداخلي والتأمل العميق؛ لهذا لم يكن غريبًا أن يجد الأدباء في هذه التجربة مادة ثرية للكتابة، يلتقطون منها مشاهد الإيمان، والانبهار، والوجد الإنساني الذي لا يتكرر.

ولايعتبر الحج عند الأدباء رحلة داخلية بقدر ما هو انتقال مكاني، ولذلك تنوعت نصوصهم بين التأمل الروحي، والدهشة الإنسانية، والذاكرة التي تختزن لحظات لا تُنسى.

هيكل في كتابة «منازل الوحي»

وثق محمد حسين هيكل رحلته إلى الحج في كتابه «في منزل الوحي»، حيث تنعكس حالة من السكون الروحي العميق والرضا الداخلي، واصفا إحساسه في تلك اللحظات بأنه امتزاج بين الطمأنينة والفرح، وكأن المكان يعيد تشكيل وعي الإنسان من جديد، فيتأمل الفريضة بوصفها تجربة إيمانية تتجاوز الأداء إلى الإدراك، كذلك يلتقط هيكل مشهد شهداء بدر، فيرسمه بروح مفعمة بالرهبة والخشوع، حيث يتحول المكان إلى ذاكرة حيّة تستدعي التاريخ وتستحضره في لحظة وجدانية خالصة.

طه حسين رحلة شوق العقل ودموع القلب

أما طه حسين، فقد جاءت تجربته مع الحج محمّلة بشوق طويل ومعاناة فكرية وروحية، ففي مذكرات رحلته كما يرويها معاصروه، يظهر إصراره على الوصول إلى المدينة المنورة رغم الصعوبات، رافضًا أن يمنعه وسيلة نقل أو عائق مادي.

وفي موقف مؤثر عند الحديبية، يترجل من السيارة، ويقبض من تراب المكان، مستشعرًا عبق التاريخ، ثم تنهمر دموعه في لحظة يلتقي فيها الفكر بالإحساس، ويغلب فيها الوجد على العقل. كما يظهر في الحرم المكي في حالة بكاء وخشوع عميق، في تعبير صادق عن تجربة روحية تجاوزت كل تصورات مسبقة.

المازني ودهشة الحس أمام القداسة

وفي «رحلة الحجاز»، يقدم إبراهيم عبد القادر المازني رؤية مختلفة تمزج بين الطرافة والدهشة، فعند لمسه الحجر الأسود، يعبر عن إحساس إنساني بسيط وعفوي، حيث يتمنى لو يحتفظ بجزء منه، في صورة تعكس شدة الانبهار بالمكان وقدسيته، ولكن بلغة قريبة من الحس اليومي والدهشة الأولى.

الغيطاني ورحلة المعايشة والتأمل

أما جمال الغيطاني، في كتابه «حمام الحمى»، فيسجل مشاهد من رحلته بروح تأملية هادئة، تركز على تفاصيل الرفقة والمكان والحركة داخل المشاعر المقدسة، والغيطاني لا يكتفي بوصف الشعائر، بل يرصد الحالة الإنسانية للحجاج من حوله، فيتحول النص إلى لوحة تجمع بين الروح الجماعية والتجربة الفردية.

ولم  تقتصر الكتابة عن الحج في الأدب العربي فقط، بل امتدت إلى آداب أخرى رأت فيه رمزًا للرحلة الروحية أو الشوق الإنساني؛ فهو هنا لم يعد مجرد شعيرة دينية، بل أصبح فكرة أدبية تتكرر بمعان متعددة، تدور حول البحث عن المعنى، والعودة إلى الذات، والوصول إلى نقطة الصفاء.

ويمكن القول بأن أدب الحج وتجربته  تتجاوزت الوصف إلى الإحساس، وتحولت فيها الكلمات إلى وسيلة لالتقاط لحظات لا تُروى كاملة، لأن الإنسان يكون في أقصى درجات قربه من المعنى، حين يلتقي المكان بالإيمان، وتذوب المسافات بين الروح والتاريخ.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء