رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الحج في التراث المصري .. أناشيد وأغاني وموروث شعبي حي

المنشد سيد النقشبندي
المنشد سيد النقشبندي

يتمتع التراث المصري بزخم كبير ممتد إلى جميع المناسبات والأحداث الاجتماعية أو الوطنية أو الدينية، وتعد الأغاني وأناشيد الحج والأهازيج جزءا متجذرا من هذا التراث الشعبي والديني، حيث تمتزج فيها الروحانية بالموروث الاجتماعي، لتصنع حالة وجدانية خاصة ترافق الحاج منذ لحظة الوداع وحتى عودته.

 

أهازيج وأناشيد وداع الحجيج

 

تبدأ طقوس الحج في مصر من لحظة الوداع، حيث تتحول مغادرة الحاج إلى مشهد احتفالي تختلط فيه الدموع بالزغاريد والأناشيد، وفي هذه اللحظات تردد عبارات دينية وأغان شعبية وأهازيج مثل "رايحة للحرمين" و"ادعي لي بالنبي أبو الكفين" و"يا نبي يا نبي ياللي ناديته، نوله حجته ورده لبيته"، بينما يتجمع الأهل والجيران في طقس اجتماعي يحمل طابعا روحانيا واضحا.

وهناك أيضا أناشيد شعبية متداولة مثل "يا رايحين للنبي الغالي" و"لبيك اللهم لبيك"، التي تردد في الشوارع والبيوت أثناء موسم الحج، لتصبح جزءا من المشهد الصوتي العام في تلك الفترة.

وفي الريف والصعيد، تتخذ هذه اللحظات طابعا أكثر ابتهاجا، حيث تزين البيوت وتكتب عبارات الدعاء على الجدران، وتقام حلقات إنشاد تعتمد على الدفوف والترديد الجماعي، في مشهد يعكس عمق ارتباط المجتمع بالحج كحدث جماعي وليس فرديا، حيث تنتشر الأهازيج التي تعتمد على الإيقاع البسيط والترديد الجماعي، في طقوس تجمع بين الدينية والاجتماعية، وتتحول رحلة الحج في هذه المناطق إلى حدث قروي كبير تشارك فيه العائلة بأكملها، حيث تقام الولائم وتعلق اللافتات التي تحمل اسم الحاج، في تعبير عن الفخر والانتماء.

 

أغاني الحج

 

ليلى مراد
ليلى مراد

وترتبط الذاكرة الغنائية المصرية بعدد من الأعمال التي أصبحت جزءا من الوجدان فيما يتعلق بالحج، من أبرزها أغنية أم كلثوم الشهيرة "إلى عرفات الله" والتي تعد من أهم الأعمال الدينية التي ارتبطت بمناسك الحج، حيث تحمل طابعا روحانيا يعبر عن الشوق والتلبية والسكينة، والتي ضمت كلماتها "إلى عرفات الله يا خير زائر .. عليك سلام الله فى عرفات .. ويوم تولى وجهة البيت ناضرا .. وسيم مجالى البشر والقسمات".

وتأتي أغنية "يا رايحين للنبي الغالي" التي غنتها ليلى مراد في فيلم "بنت الأكابر"، كواحدة من أشهر أغاني الحج في التراث الفني، والتي تتضمن كلماتها "يا رايحين للنبى الغالى .. هنيالكم وعقبالى .. يا ريتنى كنت وياكم .. وأروح للهدى وأزوره"، إضافة إلى أغنية أسمهان "عليك صلاة الله وسلامه" التي صدرت عام 1943 بمناسبة الاجتفال بعودة إرسال "المحمل المصري" وكسوة الكعبة، من كلماتها "عليك صلاة الله وسلامه .. شفاعة يا جد الحسنين .. ده محملك رجعت أيامه .. هنية واتمليت به العين".

كما تنتشر الأغنية الشعبية "رايحة فين يا حاجة .. يا أم شال قطيفة" التي تغنى في وداع الحجاج وتعكس مشاعر الاشتياق والدعاء بالعودة، فضلا عن أغنية "رايحين للنبي الهادي" التي تستخدم في بعض المناطق كتعبير عن الشوق لزيارة الحرم النبوي ضمن رحلة الحج.

 

التواشيح والإنشاد الديني

 

يلعب الإنشاد الديني دورا أساسيا في تشكيل الصوت الروحي للحج في مصر، خاصة عبر التواشيح الصوفية التي ارتبطت بمدارس إنشاد مثل النقشبندية والرفاعية، ومن أشهر التواشيح التي تردد في هذا السياق "سبحانك ربي ما أعظمك" و"يا رب صل على النبي المختار" و"يا راحلين إلى منى" و"أهواك يا كعبة الأنوار"، وقد ساهم كبار المنشدين مثل الشيخ سيد النقشبندي في ترسيخ هذا اللون الروحاني الذي أصبح حاضرا في الإذاعة المصرية وفي المناسبات الدينية الكبرى، ومنها موسم الحج.

 

الحج في السينما

 

أما عن تناول السينما المصرية للحج، فقد ظهر الحج في أفلام مصرية عدة في خمسينيات القرن الماضي، لا أنه بالرغم من ذلك، جاء بشكل محدود وبطريقة رمزية دون تصوير مباشر، فلا الحج يظهر كرحلة تصويرية كاملة، بل كرمز للتطهر من خلال توبة الشخصية أو تحولها روحيا، أو كجزء من تطورها الأخلاقي، أو من خلال مشاهد لطقوس الوادع والاستقبال، وقد يرجع ذلك إلى القيود الإنتاجية وصعوبة تصوير الشعيرة بصريا.

وحتى في السينما الحديثة، فلا يزال يستخدم الحج كرمز درامي باعتباره تحولا داخليا وبداية حياة جديدة، حيث يستخدم كخلفية درامية لشخصيات تمر بتغيرات نفسية وروحية عميقة، وتركز على الأثر الاجتماعي والديني للشخص بعد الحج، والاقتصار على الإشارة له في سياق الأحداث وليس على الرحلة نفسها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء