رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

توشك مصر ، أن تكون دورًا في قيادة التحرر الوطني ، فهي مركز مشترك لثلاث دوائر مختلفة بل وأكثر ، مما جعلها مجمعًا لعوالم شتى ، فهي بؤرة العالم العربي ، ومركز للعالم الإسلامي ، وحجر الزاوية في العالم الأفريقي. لإن لمصر مركز جيو- استراتيجي Geo-Strategy وجيو - ثقافي Geo-Culture  ، يجعل لها دور ، في طبيعة العملية السياسية ، التي تقوم على التحالفات والتعبئة والحشد . فكانت الأداة الدبلوماسية والأداة الإعلامية ، من أهم أدوات العمل في السياسة الخارجية بفاعلية ، من أجل  التكتل وحشد الشعوب المستغلة من القوى الإمبريالية من أجل التحرر والاستقلال . 

 

والدور الذي يجعل مصر أم الدنيا بحق ، هو سياسة خارجية مصرية تحقق مصلحتها الوطنية ، وتعكس توجهاتها مدي حرص قيادتها على تحقيق التحرر الوطني ، الذي يجعلها قطب الصراع الرئيسي في العالم في مواجهة النهب الإمبريالي . 

 

وقد ارتبطت البلاد بقصة كفاح طويلة للشعب المصري ، من أجل استعادة دولتها التي فقدها بسقوط الدولة المصرية القديمة لمدة تزيد على 24 قرنا . 

 

وقد بدأت مصر مسيرة استعادتها مع مثلته حملة نابليون على مصر عام 1798 من تحدي ، وتم تنصيب محمد على واليًا ، الذي أقام دولته على ولاياتها العثمانية بنظام وراثي في أسرته . لكن حفيده الخديو توفيق استعان بجيش الاحتلال البريطاني ، ضد ثورة عرابي التي أجبرته على التوقيع على الدستور

 

استأنفت الحركة الوطنية المصرية نشاطها بعد عقد من الزمان بزعامة مصطفى كامل ، ثم قامة ثورة الشعب المصري المجيدة عام 1919 بزعامة سعد زغلول ، لكن قيادتها فشلت في تحقيق أهدافها ، وقنعت بمشاركة الاحتلال في الحكم ، في ظل نظام 28 فبراير 1922 واستمرت في مفاوضات عقيمة لأكثر من ثلاثين عامًا.

 

ونظرًا لفشل القوى السياسية المدنية في مواجهة الاحتلال البريطاني مدة 70 سنة ، ومع استمرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتخلفة . نشأ جيل جديد من أجيال الحركة الوطنية فلقد تميزت استراتيجية القادة الشبان - الضباط الأحرار الذين قاموا بثورة 23 يوليه ، بإدراكها العميق لشخصية مصر ، وبرؤية جيو سياسية ، بعد تفاوض عقيم استمر اكثر من 70 عامًا .  

 

ومن ثم فإن الحركة السياسية لجمال عبد الناصر لا تعود لتطلعاته التي تتجاوز حدود مصر - كما يظن كمال حسن علي رئيس الوزراء ووزير الدفاع الأسبق – وجاء ذلك في مذكراته ، ولكنها كانت تلك استراتيجيته في السياسة الخارجية ، كما أشار لذلك مايلز كوبلاند ، والتي تحقق المصلحة الوطنية المصرية من جهة ، ومصلحة العالم العربي والعالم الثالث من جهة أخرى . 

 

يقول كمال حسن على : "إجلاء الإنجليز عن البلاد ، بعد أن حكموها سبعون عامًا ، أذاقوا فيها شعبها المر والهوان ، لكان هذا العمل وحده كافيًا ، لأن يجعل منه بطلًا ، يسجله التاريخ على رأس أبطال مصر". ومن جهة أخرى يضيف: "ولكن يبدو أن عبد الناصر ، كان كما لو كانت لديه تطلعات أخرى ، لا تتسع له أرض مصر وحدها ، فأثار ذلك عليه العالمين العربي والغربي على حد سواء" . لكن هذا التطلعات التي يلمزها كمال حسن علي ليست شخصية ، بل هي منطلق جديد يقوم على الترابط الوثيق بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، وبين مصر ومحيطها الإقليمي والعالم . 

 

فمثلًا يقول مايلز كوبلاند: "لم يكن لمصر من سبيل ، لأن تعتزل العالم وتعيش على انفراد ، ولو غدا المصريون انعزاليين ، راضين أن يقتاتوا بما تخرجه لهم أرضهم ، وما تدره عليهم بلادهم من خيرات ، فإن العالم من حولهم لن يدعهم وشأنهم ، وسوف يضغط عليهم بشتى الأساليب . وحتى الحكومة الأمريكية التي ما فتئت تشجعهم من وقت لآخر ، على العودة إلى مبدأ (مصر أولًا) ، فإنها لم تمنح ناصر تأييدها الحقيقي ، إلا على بسبب دوره الخارجي".

 

يقول الدكتور علي الجريتلي : "تعتبر ثورة 23 يوليه 1952 نتيجة منطقية لتطورات تاريخ مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر، ورد فعلي حتمي للاستعمار الأوروبي ، واستغلال قلة من مالكي الأرض وتجار المدن وأرباب الأعمال للسواد الأعظم من المزارعين والعمال". ويقول روذستينRothstein في عام 1910: "إن الإنجليز في الثماني والعشرين سنة التي حكموا فيها مصر، لم يكتفوا بعدم إنشائهم ولو صناعة واحدة فحسب، بل قتلوا بالفعل كل ما يمكن شأنه ، أن يعود عليها ببعض التقدم الصناعي".

 

 أدرك قادة الثورة ، أن اقتصادًا جٌل همه تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات الصناعية ، ستتحكم فيه عوامل كثيرة ، وسيظل اقتصاد تابع للهيمنة الغربية . هو نفس النموذج الإمبريالي الذي فرضه اللورد كرومر

 

لذلك فإن سياسات التنمية أولى خطوات السعي للتحرر الوطني ، حيث تلعب الصناعة دورًا كبيرًا في التنمية، لتلعب دورًا كبيرًا في تحرير البلاد من السيطرة الأجنبية. 

 

وتعني التنمية المستقلة السعي لتشكيل هياكل الاقتصاد القومي ، وفقُا لحاجات غالبية المواطنين ، وليس وفقًا لما تحتاج إليه غالبية الدول الصناعية أساسًا . وأول هذه الأهداف كان يتعلق بتنويع هيكل الاقتصاد المصري، من خلال التصنيع أساساً . فبدأ في المراحل الأولى بحفز الصناعة التابعة للقطاع الخاص ، ومشاركة الحكومة في مشروعات صناعية جديدة ، وزيادة معدلات الاستثمار العام ، في قطاعات الكهرباء والزراعة والخدمات الأساسية .

 

ورغم عدم استنادهم إلى إيديولوجية اقتصادية مسبقة ، فقد كانت قراراتهم انعكاسًا لوجهات النظر ، التي بدأ المثقفون والمصلحون المصريون الشبان ، يطرحونها في الثلاثينيات والأربعينيات ، التي دعت إلى تنويع الاقتصاد ، والخروج من دائرة الاعتماد على تصدير القطن الخاضع لتقلبات الأسواق العالمية ، والتحرر من نفوذ الجاليات الأجنبية على الاقتصاد. 

 

ولقد استجاب نظام الضباط الأحرار فور توليه السلطة، للأصوات التي طالبت في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات ، بتوفير الاستقرار لسوق الاستثمارات المصرية ، بشكل يساعد على جذب رؤوس الأموال الأجنبية على مصر. بيد أن هذه الإجراءات لم تغر بسهولة رؤوس الأموال الأجنبية ، بما فيها البريطانية بالتوجه إلى مصر بعد الثورة ، ولهذا ظل تدفق رأس المال الأجنبي على مصر بين عامي 1952 و1956 تافهًا، حتى أن جملة رؤوس الأموال الأجنبية الجديدة ، التي استثمرت في مصر فيما بين 1953 و1956 لم يتجاوز 6 ملايين جنيه

 

ولقد أظهر العدوان الثلاثي ، خطورة تسلط البنوك الأجنبية ، على تمويل الوحدات الإنتاجية والتدفقات الاقتصادية ، والمحاذير في استخدام البنوك الخاصة ، كقنوات لعرقلة التنمية على تهريب أموالهم للخارج ، وعدم قدرة المدخرات عن مواكبة احتياجات التنمية من التمويل المحلى . فكان التمصير ضرورة وطنية .

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء