رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عرفة: الزيادة السكانية ليست عبئًا بل ثروة بشرية تحتاج إلى إدارة علمية|خاص

الزيادة السكانية
الزيادة السكانية في مصر

أكد حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، أن ملف الزيادة السكانية في مصر يُعد من أخطر وأهم الملفات الاستراتيجية التي تحتاج إلى إدارة علمية وقانونية متكاملة، مشددا على أن القضية السكانية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عبئا على الدولة، وإنما باعتبارها طاقة بشرية يمكن تحويلها إلى قوة إنتاج وتنمية شاملة إذا أُحسن استثمارها وإدارتها.

وقال عرفة، في تصريح خاص لـ “إيجبتك” إن السكان في الأصل “هبة ومنحة إلهية”، موضحا أن التاريخ أثبت أن الدول الكبرى لم تنهض بالموارد الطبيعية فقط، وإنما بقوة البشر والتعليم والإنتاج، مشيرا إلى أن العديد من الدول نجحت في تحويل الكثافة السكانية إلى عنصر قوة اقتصادية وتنموية.

مولود جديد كل 15.9 ثانية

وأوضح أستاذ الإدارة المحلية أن مصر تشهد معدلات زيادة سكانية مرتفعة، حيث يتم تسجيل مولود جديد كل 15.9 ثانية تقريبا، بمعدل يصل إلى 5439 مولودا يوميًا، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على الحكومة والمحافظات في قطاعات التعليم والصحة والإسكان وفرص العمل والبنية التحتية.

وأضاف أن عدد سكان مصر ارتفع من 72.8 مليون نسمة وفق تعداد عام 2006، إلى 94.8 مليون نسمة في تعداد 2017، ثم تجاوز حاليا 109 ملايين نسمة، مؤكدًا أن هذا النمو يتطلب سياسات تنفيذية عاجلة لإدارة الزيادة السكانية وتحقيق التوازن بين الموارد المتاحة والزيادة المستمرة في عدد السكان.

الزيادة السكانية في مصر 
الزيادة السكانية في مصر 

الخطر الحقيقي في فجوة التنمية والتشغيل

وأشار إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في زيادة عدد السكان وحدها، وإنما في استمرار الفجوة بين معدلات النمو السكاني ومعدلات التنمية الاقتصادية والتشغيل، موضحا أنه إذا استمرت المعدلات الحالية دون توسع موازٍ في فرص العمل والإنتاج والخدمات، فقد تواجه مصر خلال السنوات العشر المقبلة ضغوطًا كبيرة على قطاعات المياه والصحة والتعليم والنقل والإسكان.

وأضاف أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى زيادة معدلات التكدس والعشوائيات والبطالة المقنعة، بما يخلق تحديات اجتماعية واقتصادية معقدة تحتاج إلى تدخلات سريعة ومدروسة.

المواطن يجب أن يتحول إلى عنصر إنتاج

وشدد “عرفة” على أن تحويل الزيادة السكانية إلى قوة داعمة للاقتصاد يتطلب تغيير فلسفة التعامل مع الملف بالكامل، بحيث يصبح المواطن عنصر إنتاج لا مجرد مستهلك للخدمات.

وأوضح أن ذلك يتحقق من خلال التوسع في التعليم الفني والتكنولوجي، وربط مخرجات التعليم بسوق العمل، وتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ودعم الاستثمار المحلي، والتوسع في الاقتصاد الرقمي، مؤكدًا أن كل مولود جديد يمكن أن يصبح إضافة حقيقية للناتج القومي إذا توافرت له منظومة تعليم وتأهيل وفرص عمل حقيقية.

الصين والهند.. نماذج لتحويل السكان إلى قوة اقتصادية

وأشار عرفة إلى أن العديد من دول العالم نجحت في تحويل الكثافة السكانية إلى عنصر قوة اقتصادية، مستشهدا بتجارب دول كبرى مثل الصين والهند، موضحا أن تلك الدول استطاعت الاستفادة من مواردها البشرية وتحويلها إلى قوة إنتاج وصناعة وتكنولوجيا.

وأكد أن المشكلة الحقيقية ليست في عدد السكان، وإنما في أساليب الإدارة والتخطيط والاستغلال الأمثل للموارد البشرية.

الزيادة السكانية في مصر 
الزيادة السكانية في مصر 

المحافظون خط الدفاع التنفيذي الأول

وأوضح عرفة أن المحافظين يمثلون خط الدفاع التنفيذي الأول في إدارة الملف السكاني، لأنهم الأقرب إلى الواقع اليومي للمواطنين، لافتا إلى أن قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979، خاصة من المادة 25 إلى المادة 28، ينص بشكل واضح على مسؤولية المحافظ في التعامل مع القضايا السكانية داخل نطاق محافظته.

وأضاف أن نجاح المحافظين في إدارة هذا الملف يتطلب منحهم صلاحيات أوسع وربط الملف السكاني بخطط التنمية المحلية والاستثمار والخدمات، مع توفير قواعد بيانات دقيقة على مستوى القرى والأحياء لرصد معدلات النمو والهجرة الداخلية والاحتياجات الفعلية للسكان.

وأكد أن كل محافظ يجب أن يضع سياسات وآليات مختلفة للتعامل مع الزيادة السكانية وفقا للطبيعة الجغرافية والتركيبة الاجتماعية والاقتصادية لكل محافظة، مشيرًا إلى أن التحديات تختلف من محافظة إلى أخرى.

القاهرة الكبرى الأكثر سكانا وجنوب سيناء الأقل

وأشار عرفة إلى أن القاهرة الكبرى تعد الأكثر سكانا في مصر، حيث يبلغ عدد سكانها نحو 22 مليون نسمة، بينما تأتي محافظة الجيزة بنحو 9.1 مليون نسمة، تليها محافظتا الشرقية والدقهلية ضمن المحافظات الأعلى كثافة سكانية.

وفي المقابل، أوضح أن محافظة جنوب سيناء جاءت في المركز الأخير من حيث أقل عدد للسكان، حيث سجلت نحو 108 آلاف نسمة فقط.

تفاوت واضح بين الحضر والريف

وأضاف أن نسبة سكان الحضر بلغت 42.8%، بينما بلغت نسبة سكان الريف 57.2% خلال عام 2020، وهو ما يعكس استمرار تمركز نسبة كبيرة من المواطنين داخل القرى والمناطق الريفية، الأمر الذي يستوجب زيادة الاهتمام بالتنمية المحلية والخدمات الأساسية داخل الريف المصري.

مجتمع فتي يحتاج إلى تخطيط طويل المدى

وأشار عرفة إلى أن عدد الوفيات في مصر يبلغ في المتوسط نحو 570 ألف مواطن سنويا، موضحا أن التركيبة العمرية للمجتمع المصري تكشف أن الفئة العمرية الأقل من 15 سنة تمثل نحو 34.1% من إجمالي السكان، وهي نسبة كبيرة تؤكد أن مصر مجتمع فتي يحتاج إلى التخطيط طويل المدى في مجالات التعليم والتأهيل والتشغيل.

وأضاف أن نسبة كبار السن ممن يبلغون 65 عاما فأكثر تصل إلى 4.1% من السكان، بينما بلغ حجم قوة العمل من إجمالي السكان بعمر 15 سنة فأكثر نحو 28.3 مليون نسمة، بينهم 23.3 مليون من الذكور و5.1 مليون من الإناث، وفقًا لبيانات بحث القوى العاملة.

استمرار التكدس في القاهرة رغم المدن الجديدة

وأوضح أن استمرار التكدس داخل القاهرة الكبرى، رغم إنشاء المدن الجديدة، يرجع إلى عدة أسباب متشابكة، أبرزها تمركز فرص العمل والخدمات الحكومية والجامعات والمستشفيات الكبرى داخل القاهرة القديمة، بالإضافة إلى ضعف شبكات الربط الاقتصادي والنقل الكامل بين المدن الجديدة ومراكز النشاط التقليدية.

وأشار إلى أن بعض المدن الجديدة تحولت حتى الآن إلى “مدن سكنية للنوم” وليست مدنا إنتاجية مكتملة الوظائف.

الزيادة السكانية في مصر 
الزيادة السكانية في مصر 

التنمية الإقليمية هي الحل

وشدد عرفة على أن حل الأزمة لا يكون فقط ببناء مدن جديدة، وإنما من خلال نقل حقيقي للأنشطة الاقتصادية والإدارية وفرص العمل إليها، إلى جانب إعادة توزيع الاستثمارات والخدمات على المحافظات المختلفة، خاصة محافظات الصعيد والدلتا، لتحقيق تنمية إقليمية متوازنة تقلل من الهجرة الداخلية المستمرة نحو القاهرة الكبرى.

مصر الأولى عربيا والثالثة أفريقيا

وأكد عرفة أن مصر تحتل المرتبة الأولى عربيا من حيث عدد السكان، والثالثة على مستوى قارة أفريقيا، والرابعة عشرة عالميا، مشددا على ضرورة وجود رؤية قومية شاملة لإدارة الملف السكاني وربطه بخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

استراتيجية شاملة لإدارة الملف السكاني

واختتم أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية تصريحاته بالتأكيد على أن مصر تمتلك ثروة بشرية ضخمة قادرة على صنع نهضة اقتصادية حقيقية، إذا جرى الاستثمار في الإنسان المصري باعتباره أساس التنمية وأهم موارد الدولة الاستراتيجية.

كما شدد على ضرورة وضع استراتيجية قانونية وإدارية واضحة أمام الوزراء والمحافظين للتعامل مع الملف السكاني، تقوم على إعادة توزيع السكان جغرافيا، وتوسيع الرقعة العمرانية، ودعم الاستثمار في المحافظات الأقل كثافة، وربط الزيادة السكانية بالتنمية الاقتصادية وفرص العمل.

وأكد أن نجاح الدولة في إدارة الملف السكاني يتطلب تكامل الأدوار بين الوزارات والمحافظات والمجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والإعلامية، بهدف بناء وعي مجتمعي قادر على تحقيق التوازن بين النمو السكاني والتنمية المستدامة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء