رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"تحديات الترجمة في عصر الأزمات" ندوة فكرية بالمجلس الأعلى للثقافة

جانب من الندوة
جانب من الندوة

نظمت لجنة الترجمة بالمجلس ندوة وحوارًا مفتوحًا بعنوان "تحديات الترجمة في عصر الأزمات"، مساء الثلاثاء 12 مايو 2026، وذلك في إطار جهود المجلس لإلقاء الضوء على القضايا الثقافية الراهنة، وتعزيز دور الترجمة بوصفها جسرًا معرفيًا في مواجهة التحولات العالمية.

وشهدت الندوة حضورًا أكاديميًا وثقافيًا لافتًا، بحضور مقرر اللجنة الدكتور محمد الجبالي، وأدارها الدكتور مصطفى رياض، بمشاركة نخبة من المتخصصين في مجال الترجمة، وهم: الدكتور جمال الرفاعي، والدكتورة نهاد منصور، والدكتورة هدى أباظة، والدكتور هشام المالكي.

مناقشات حول الترجمة وإعادة تشكيل الوعي

تناولت الندوة مجموعة من المحاور المرتبطة بواقع الترجمة في ظل الأزمات السياسية والثقافية والإعلامية المعاصرة، والدور الذي يؤديه المترجم في نقل المعرفة وصياغة الإدراك العام، إلى جانب التحديات المهنية والأخلاقية التي تواجهه أثناء التعامل مع النصوص المرتبطة بالصراعات والأحداث الدولية.

وأكد المشاركون أن الترجمة لم تعد مجرد نقل حرفي للكلمات، بل أصبحت أداة فاعلة في تشكيل الوعي وإعادة إنتاج السرديات السياسية والثقافية.

المقاومة اللغوية

استعرض الدكتور جمال الرفاعي تجربته في ترجمة وثائق حربي 1967 و1973، موضحًا أن ترجمة شهادات القادة العسكريين الإسرائيليين تفرض على المترجم مسؤولية مزدوجة تجمع بين الأمانة العلمية والانحياز للحقيقة التاريخية.
وأشار إلى أن بعض المصطلحات العسكرية والجغرافية المستخدمة في الخطاب الإسرائيلي تحتاج إلى تفكيك وتوضيح عبر الهوامش التفسيرية، حتى لا يتم تمرير سرديات مضللة للقارئ العربي.

وأكد في ختام حديثه أن "المقاومة اللغوية" تمثل أحد أهم أدوات مواجهة التغريب والهيمنة الثقافية، داعيًا إلى استخدام المصطلحات الدقيقة التي تحافظ على الهوية العربية وتمنع تشويه الوعي.

 الترجمة أداة لإعادة السرد

من جانبها، تناولت الدكتورة نهاد منصور نظرية السرديات، مؤكدة أن الترجمة تؤدي دورًا محوريًا في إعادة بناء الواقع السياسي والاجتماعي، من خلال اختيار المفردات وصياغة الأحداث داخل إطار لغوي محدد.

وأوضحت أن الفرق بين استخدام كلمات مثل "ثورة" أو "اضطراب"، و"شهيد" أو "إرهابي"، لا يتعلق باللغة فقط، بل يساهم في توجيه المتلقي نحو تبني رؤية سياسية أو أيديولوجية بعينها.

كما استعرضت نماذج مقارنة بين السرديات الإعلامية العربية والغربية، مؤكدة أن المترجم يتحول أحيانًا إلى "عدسة" تعيد ترتيب الوقائع وفق رؤية معينة، وهو ما يجعل الترجمة جزءًا من معركة تشكيل الإدراك العام.

 الشعر يتحول إلى فعل مقاومة

وتحدثت الدكتورة هدى أباظة عن تطور مفهوم "شعر المقاومة"، بداية من الحرب العالمية الأولى وحتى الحركات الفكرية في فرنسا خلال أربعينيات القرن الماضي، موضحة كيف أصبح الشعر أداة للمواجهة والتغيير.

وأشارت إلى أن بعض النصوص الشعرية تحولت إلى رموز نضالية، مستشهدة بقصيدة "حرية" للشاعر الفرنسي بول إيلوار، التي تجاوزت حدود التعبير الأدبي لتصبح وسيلة لتحفيز الجماهير أثناء الاحتلال النازي.

الترجمة تنقل العقلية لا الكلمات فقط

أما الدكتور هشام المالكي، فتناول تجربته في ترجمة كتاب "فن الحرب" الصيني إلى العربية عام 2005، موضحًا أن الهدف لم يكن نقل النص لغويًا فحسب، بل تقديم العقلية الاستراتيجية الكامنة خلفه إلى القارئ العربي.

وأشار إلى أن الكتاب، الذي يعود تاريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد، لا يزال حتى اليوم مرجعًا مهمًا في إدارة الصراع وصناعة القرار، مؤكدًا أن المعرفة تمثل ركيزة أساسية في إدارة الأزمات الحديثة.

وأضاف أن مبادئ الكتاب، مثل الجاهزية الدائمة وضبط النفس الاستراتيجي وتجنب الصراع قدر الإمكان، تتقاطع مع عدد من المفاهيم المرتبطة بالعقيدة الاستراتيجية للجيش المصري.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الترجمة الحقيقية تبدأ بعد نشر الكتاب، حين يتحول النص إلى وعي حي قادر على التأثير في الواقع وصناعة التغيير.
وجاءت الندوة ضمن سلسلة الفعاليات الفكرية والثقافية التي ينظمها المجلس الأعلى للثقافة، بهدف فتح قنوات الحوار بين المبدعين والباحثين والخبراء، ومناقشة القضايا المرتبطة بالمعرفة والترجمة والهوية في ظل المتغيرات العالمية المتسارعة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء