رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بروس تشاتوين.. الكاتب الذي أعاد أدب الرحلات إلى الواجهة العالمية

 بروس تشاتوين
بروس تشاتوين

تحل ذكرى ميلاد الكاتب والروائي الإنجليزي بروس تشاتوين، أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بتجديد أدب الرحلات في القرن العشرين، بعدما استطاع أن يمنح هذا النوع الأدبي بعدًا إنسانيًا وفلسفيًا يتجاوز مجرد تسجيل المشاهد والانطباعات، ليتحول السفر في كتاباته إلى وسيلة للتأمل في الطبيعة البشرية وأسئلة الهوية والمنفى والبحث الدائم عن المعنى.

واستطاع تشاتوين عبر أعماله أن يلفت الأنظار إلى أدب الرحلات بوصفه مساحة أدبية وفكرية مفتوحة، تمزج بين السرد الروائي والتوثيق والملاحظة الفلسفية، وهو ما جعله واحدًا من أكثر الكُتاب تأثيرًا في هذا المجال خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

ولد بروس تشاتوين في 13 مايو عام 1940 بمدينة شيفيلد الإنجليزية، وتلقى تعليمه في مدرسة "مارلبورو"، قبل أن يبدأ حياته العملية مبكرًا داخل دار "سوذبيز" الشهيرة للمزادات في لندن، وهو ما منحه احتكاكًا مباشرًا بعالم الفنون واللوحات والآثار النادرة.

ومع مرور الوقت، أصبح مسؤولًا عن قسم مزادات الفن الانطباعي والآثار داخل الدار، إلا أن شغفه بالبحث والترحال دفعه إلى ترك العمل عام 1966، والالتحاق بجامعة إدنبره لدراسة علم الآثار، لكنه لم يكمل دراسته، مفضلًا التفرغ للكتابة والسفر، وهي الخطوة التي شكلت لاحقًا ملامح مشروعه الأدبي بالكامل.

الصحافة بوابة السفر إلى العالم

التحق تشاتوين عام 1972 بالعمل في مجلة "صنداي تايمز"، حيث أتاح له العمل الصحفي السفر إلى عدد كبير من دول العالم، والتعرف على ثقافات وشخصيات سياسية وفكرية بارزة، من بينها أنديرا غاندي وأندريه مالرو.

وخلال تلك الفترة، بدأ اهتمامه يتزايد بفكرة الترحال بوصفها تجربة إنسانية وفكرية، وليس مجرد انتقال جغرافي، وهو ما دفعه عام 1974 إلى القيام برحلته الشهيرة إلى منطقة باتاجونيا في الأرجنتين، الرحلة التي تحولت فيما بعد إلى كتابه الأشهر "في باتاجونيا"، الذي اعتبره كثير من النقاد بداية جديدة لأدب الرحلات الحديث.

الترحال والمنفى 

انشغل بروس تشاتوين في كتاباته بأسئلة الترحال والمنفى والحدود والبحث الدائم عن الحرية، وكان يرى أن الإنسان بطبيعته كائن مهاجر، وأن الاستقرار الطويل قد يقود إلى العنف أو الشعور العميق بالملل والسأم.

وحاول في عدد من أعماله تقديم تفسير فلسفي لفكرة الهجرة والتنقل، معتبرًا أن الرغبة في الحركة جزء أصيل من الطبيعة البشرية، وأن المجتمعات الحديثة فرضت على الإنسان حالة من الجمود تتعارض مع غرائزه الأولى.

كما اهتم بفكرة الحدود الجغرافية والثقافية، واعتبر أن المناطق الحدودية تمثل دائمًا مساحة للتحولات والتغيرات المستمرة، وهو ما ظهر بوضوح في كتاباته عن باتاجونيا، المنطقة الواقعة بين الأرجنتين وتشيلي، والتي رأى فيها نموذجًا للتداخل بين الجغرافيا والتاريخ والهويات المختلفة.

الفن والمقتنيات.. هاجس دائم في كتاباته

ترك عالم الفن أثرًا واضحًا على تجربة بروس تشاتوين الأدبية، نتيجة سنوات عمله الأولى في دار "سوذبيز"، حيث ظل مهتمًا طوال حياته بالعلاقة المعقدة بين الإنسان والمقتنيات الفنية.

وتناول في عدد من مقالاته وكتاباته فكرة التعلق بالأشياء الجميلة، والصراع بين الرغبة في الامتلاك والرغبة في التحرر من الأعباء المادية، وهو ما ظهر بصورة واضحة في كتابه "ماذا أفعل هنا"، الذي ضم عددًا من المقالات والقصص القصيرة المرتبطة بعالم الفن والفنانين.

كما كتب عن الفنانين والمجموعات الفنية والتحف النادرة، لكنه في الوقت نفسه أبدى نفورًا من الهوس بالاقتناء، معتبرًا أن الإفراط في التعلق بالأشياء قد يتحول إلى عبء يقيّد الإنسان بدلًا من أن يمنحه الحرية.

أبرز مؤلفاته الأدبية

قدم بروس تشاتوين خلال مسيرته عددًا من الكتب والروايات التي رسخت مكانته في الأدب الإنجليزي والعالمي، ومن أبرزها كتاب "في باتاجونيا"، و"سطور الأغنية"، و"ماذا أفعل هنا"، إلى جانب روايات "على التل الأسود"، و"أوتز"، و"والي أويدا"، وتميزت أعماله بالمزج بين الواقع والتخييل والسرد التأملي، كما اعتمد على أسلوب لغوي مكثف يجمع بين البساطة والعمق، وهو ما جعل كتبه تحظى بانتشار واسع وترجمات متعددة حول العالم.

رحل بروس تشاتوين

رحل بروس تشاتوين في 18 يناير عام 1989 عن عمر ناهز 48 عامًا، بعد معاناة مع المرض، ودفن في اليونان، لكنه ترك وراءه تجربة أدبية مؤثرة لا تزال تحظى باهتمام القراء والنقاد حتى اليوم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء