مليحة نصار.. أيقونة الصمود الفلسطيني في وجه الاستيطان الصهيوني
تجسد الفلسطينية مليحة نصار نموذجاً استثنائياً في الإصرار، حيث تقطع يومياً مسافات شاسعة تمتد لعدة كيلومترات لتصل إلى أرضها وتواصل زراعتها، ضاربةً عرض الحائط بكل التحديات التي يفرضها جيش الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنوه.
وقد بلغت مضايقات المستوطنين بحقها مستويات غير مسبوقة، إذ بات وجودها وصمودها يمثل "شوكة في حلوقهم" تُنغص عليهم مخططاتهم التوسعية.
معركة الإرادة في أريحا

في مدينة أريحا، وتحديداً في المنطقة الشرقية من الضفة الغربية، تصر مليحة على فلاحة أرضها التي أصبحت محاصرة بثلاث بؤر استيطانية تتمدد وتتوسع تدريجياً.
وبينما يسعى المستوطنون لتحويل هذه المنطقة إلى صحراء قاحلة ومكان يسوده القحط لتهجير أصحابها، استطاعت مليحة بإرادتها تحويلها إلى جنة مثمرة تزرع فيها أنواعاً شتى من الأعشاب الطبية والنباتات العطرية، ولم يقتصر نجاحها على الزراعة فحسب، بل تمكنت من تصدير منتجاتها الفاخرة إلى الأسواق المحلية والعالمية على حد سواء.
رحلة المعاناة اليومية
تبدأ رحلة مليحة من منزلها في مدينة رام الله، حيث تقطع بمفردها طريقاً طويلاً وشاقاً ووعراً للوصول إلى مزرعتها في أريحا، التي تتمع بجو صحراوي لاهب وشديد الحرارة. وتتحمل في سبيل ذلك عناء السفر الطويل ومشقة الوقوف لساعات عند الحواجز العسكرية التابعة للاحتلال، فضلاً عن الاعتداءات المتكررة التي تتعرض لها من قبل المستوطنين الذين يحاولون اعتراض طريقها.
وتؤكد مليحة أن ما يشجعها على مواصلة هذا العمل المحفوف بالمخاطر هو وجود التجمعات البدوية الصامدة في المنطقة، ومع ذلك، فإنها تبدي قلقاً وتساؤلاً مشروعاً حول مدى قدرة هؤلاء السكان على الثبات والاستمرار في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الخانقة وغياب الدعم الحقيقي.
المقاومة بالبقاء والشعار
تروي مليحة أحد المواقف الاستفزازية التي تعرضت لها، حين اعترض المستوطنون على ارتدائها قميصاً يحمل اسم "فلسطين" ومزيناً بشعار الكوفية الوطنية. وكان ردها حاسماً بأن محاولاتهم لشطب فلسطين من الخارطة وإلغاء الوجود الفلسطيني يجب أن تُقابل بمقاومة وجودية عبر البقاء والتمسك بالأرض، معتبرة أن هذه هي المعركة الحقيقية.
انتقاد غياب الخطة الوطنية
وفي سياق حديثها، وجهت مليحة انتقاداً لاذعاً لغياب "خطة وطنية" شاملة تعمل على تعزيز صمود المزارعين والمدافعين عن الأرض. وأوضحت أن المواطنين يواجهون آلة الاحتلال كأفراد، مما يجعل كل شخص منهم عرضة للخطر المباشر أو القتل في أي لحظة. وأضافت بلهجة ملؤها الثبات: "هذه الأرض أرضنا، فيها ولدنا وفيها نموت، وهم الغرباء الذين يتحتم عليهم الرحيل في نهاية المطاف".
رسالة إلى العالم
تطمح مليحة نصار أن تكون نموذجاً للمرأة الفلسطينية العصامية والمناضلة، وأن تظل كما تصف نفسها "شوكة بحلق الاحتلال" انطلاقاً من إيمانها بأن صاحب الحق هو الأقوى دائماً. وهي تأمل أن يلتفت العالم لمعاناتهم ويقدم الدعم اللازم لتعزيز صمودهم، سواء كان ذلك دعماً قانونياً أو مادياً أو معنوياً.
إحصائيات الصمود والعدوان
ولكي تضمن استمرار مسيرتها، اضطرت مليحة للاستعاضة بأرض أخرى قريبة، متحملةً خسائر مادية فادحة نتيجة اعتداءات المستوطنين ومنعها المتكرر من الوصول إلى أرضها الأصلية.
هذا الواقع الفردي يعكس مشهداً عاماً ترصده التقارير الرسمية؛ إذ تشير بيانات "هيئة مقاومة الجدار والاستيطان" إلى نمط تصاعدي وممنهج من الاعتداءات منذ مطلع عام 2024. ففي شهر أبريل/نيسان الماضي وحده، قام جيش الاحتلال والمستوطنون باستهداف 4414 شجرة زيتون عبر تسميمها أو اقتلاعها وتخريبها، فيما وصل إجمالي اعتداءات المستوطنين المسجلة منذ بداية هذا العام وحتى الآن إلى 2016 اعتداءً.

