قمة "أفريقيا إلى الأمام" بكينيا.. مصر تقود شراكة القارة السمراء مع فرنسا
تحت سماء كينيا، وعلى أرض الرئيس وليام روتو، اجتمع أكثر من 30 رئيس دولة أفريقية على رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ليرسموا ملامح مستقبل التعاون في الطاقة الخضراء، الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، بينما يبحثون عن حلول حقيقية لديون القارة وإصلاح النظام المالي الدولي.
ومن بين كل هذه الأصوات، كان صوت مصر حاضرًا بقوة، فمصربموقعها الاستراتيجي ودورها الريادي، لا تأتي إلى نيروبي كمتفرج، بل كلاعب أساسي يسعى لتعظيم مصالحه الوطنية، وتعزيز نفوذه الأفريقي، وجذب استثمارات نوعية تخدم "رؤية مصر 2030".
حيث تستضيف العاصمة الكينية نيروبي، على مدار يومي 11 و12 مايو 2026 القمة الأفريقية- الفرنسية تحت شعار "أفريقيا إلى الأمام: شراكات أفريقيا-فرنسا من أجل الابتكار والنمو" (Africa Forward Summit).
وهي أول قمة من نوعها تعقد في دولة أفريقية ناطقة بالإنجليزية، برئاسة مشتركة بين الرئيس الكيني وليام روتو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
استثمارات متكافئة
اليوم الثاني يركز على قمة رؤساء الدول والحكومات في مركز كينياتا الدولي للمؤتمرات (KICC)، بحضور أكثر من 30 رئيس دولة أفريقي، بالإضافة إلى ممثلين عن الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة (الأمين العام أنطونيو غوتيريش) ومؤسسات مالية دولية ورجال أعمال.
جلسات مخصصة حول سبعة محاور رئيسية: انتقال الطاقة والتصنيع الأخضر، إصلاح الهندسة المالية الدولية، الاقتصاد الأزرق، الزراعة المستدامة، الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية، أنظمة الصحة المرنة، والسلام والأمن.
أعلن الرئيس ماكرون في اليوم الأول جمع استثمارات بقيمة 23 مليار يورو (حوالي 27 مليار دولار) لدعم مشاريع أفريقية، مع التركيز على الانتقال من "المساعدات" إلى "الاستثمارات" المتكافئة.
عقدت اجتماعات ثنائية مكثفة، بما في ذلك لقاءات بين الرئيسين روتو وماكرون، وتوقيع اتفاقيات كينية- فرنسية سابقة في مجالات النقل والطاقة والزراعة والاقتصاد الرقمي.
تُعد هذه القمة تحولاً في الدبلوماسية الفرنسية تجاه أفريقيا، بعد تراجع النفوذ في منطقة الساحل، باتجاه شراكات أكثر توازناً وتنويعاً تشمل دولاً ناطقة بالإنجليزية.
الرئيس السيسي في نيروبي
وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى كينيا يوم 11 مايو، وألقى كلمة مصر في الجلسات الرئيسية، وعقد لقاءات ثنائية مع قادة أفارقة ومسؤولين دوليين. استقبله الرئيسان روتو وماكرون.
وجاءت كلمة الرئيس السيسي معبرة عما يحيط بالمنطقة من إرهاصات وتحديات حيث قال"لا تنمية بدون سلام.. ولا سلام بدون تنمية" وغير خفى عليكم؛ أن التوترات الجيوسياسية المتنامية، بما فيها فى الشرق الأوسط، يترتب عليها آثار تقوض استقرار سلاسل الإمداد الدولية، وتؤثر سلباً على أمن الطاقة والغذاء وبشكل أشد وطأة؛ على دولنا الإفريقية، التى تبذل مساعى مضنية، فى سبيل تحقيق أهداف التنمية لشعوبها فى الوقت الذى تسعى فيه أيضا، إلى الحفاظ على انضباطها المالى، وكبح جماح مستويات الدين بها".
وفي ختام كلمته أكد الرئيس"لا يفوتنى فى هذا السياق؛ أن أشير إلى ضرورة كسر الحلقة المفرغة لمعضلة الديون السيادية، خاصة فى الدول الإفريقية التى بات ينفق عدد كبير منها على خدمة الدين، أكثر مما ينفق على الصحة والتعليم معا".
التوقعات من المؤتمر
وتُعد مشاركة مصر في قمة كينيا، امتداداً لاستراتيجيتها الأفريقية الشاملة، التي تؤكد دورها كقوة إقليمية رائدة وجسر بين أفريقيا وأوروبا، أبرز المصالح والتوقعات:
إصلاح النظام المالي الدولي
تؤكد مصر على ضرورة إعادة هيكلة الهندسة المالية العالمية لتكون أكثر عدلاً ودعماً للدول النامية، بما يتوافق مع أولويات أفريقيا في تعبئة رؤوس الأموال الخاصة والاستثمارات، وهذا يدعم جهود مصر في تمويل مشروعاتها الكبرى مثل "رؤية 2030".
التعاون في الطاقة والتصنيع الأخضر: مصر مركز إقليمي للطاقة (غاز، هيدروجين أخضر، مشاريع نووية). تتوقع تعزيز الشراكات الفرنسية في هذه المجالات، خاصة مع خبرة فرنسا في الطاقة النووية والمتجددة.
الأمن والاستقرار الإقليمي: تُعد مصر شريكاً استراتيجياً لفرنسا في مكافحة الإرهاب والوساطة في النزاعات الأفريقية (ليبيا، السودان، القرن الأفريقي). القمة توفر منصة لتعزيز التعاون الأمني والدعم لجهود الاتحاد الأفريقي.
الاقتصاد والتجارة والاستثمار: تعزيز التبادل التجاري والاستثمارات الفرنسية في مصر (صناعة، نقل، تعليم، تكنولوجيا). سبق أن رفع البلدان علاقاتهما إلى "شراكة استراتيجية" في 2025.
إصلاح مجلس الأمن: تُجدد مصر دعمها للإجماع الأفريقي (Ezulwini Consensus) لمنح أفريقيا مقاعد دائمة في مجلس الأمن بكامل الحقوق، بما في ذلك حق النقض.
التكامل الأفريقي والشراكات جنوب-جنوب: تعزيز دور مصر كمحور للتجارة الأفريقية، خاصة مع منطقة شرق أفريقيا، ودعم الشباب والابتكار والاقتصاد الرقمي.
تمثل قمة نيروبي فرصة ذهبية لمصر لتعزيز نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي داخل القارة، وجذب استثمارات نوعية، وتأكيد ريادتها في قضايا التنمية والحوكمة العالمية. النتائج المتوقعة تشمل بياناً ختامياً يعكس التزاماً مشتركاً بالشراكات المتوازنة، مع التركيز على مشاريع ملموسة تخدم أولويات مصر الوطنية والأفريقية.