بين أنياب التهجير والجوع.. العائلات اللبنانية تصارع البقاء وسط الركام
يواجه لبنان أزمة إنسانية تتصاعد بوتيرة سريعة، في ظل نزوح واسع النطاق، وتدهور الأوضاع المعيشية، وتزايد انعدام الأمن الغذائي، وارتفاع الاحتياجات الصحية، مع استمرار الغارات الجوية، رغم إعلان تمديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع في 23 أبريل الماضي.
وفي ظل هذا المشهد، كشف تقرير صادر عن لجنة الإنقاذ الدولية عن حجم الكارثة على الأرض، عقب زيارة ميدانية لقياداتها إلى لبنان، حيث رصدت أوضاعاً إنسانيةً بالغة الصعوبة في مراكز الإيواء والمجتمعات المضيفة.
وقال بوب كيتشن، نائب رئيس لجنة الإنقاذ الدولية لشؤون الطوارئ والاستجابة للأزمات الإنسانية، إنه التقى في بيروت بفرق الإغاثة وشركاء محليين، بعضهم من النازحين أنفسهم، مؤكدا أنهم يواصلون العمل رغم خسائر شخصية كبيرة.
تفاقم الأوضاع الإنسانية
وأوضح أن ما يجري في لبنان يمثل “حالة طوارئ إنسانية تتفاقم بسرعة”، مشيرا إلى أن العائلات تجبر على ترك منازلها، فيما تعاني الأنظمة الصحية من ضغط شديد، وتواجه المجتمعات صعوبة في تأمين أبسط الاحتياجات الأساسية.
وأضاف أن أكثر من مليون شخص نزحوا داخل لبنان، أي ما يقارب 20% من السكان، فيما يعيش أكثر من 126 ألف شخص في ملاجئ مؤقتة مكتظة. وخلال الزيارات الميدانية، تم رصد عائلات تنام في خيام بالعراء، وأخرى تعيش في أماكن ضيقة لدى الأقارب أو الأصدقاء، بينما تستنزف أسر مدخراتها لتأمين مساكن مؤقتة.
وأشار كيتشن إلى شهادات مؤلمة من داخل الملاجئ، بينها أم أكدت أنها تضطر إلى تقنين الطعام، وأن أطفالها يحصلون على وجبة واحدة فقط يوميا، محذرا من أن الاحتياجات تفوق بكثير الموارد المتاحة.
من جانبها، قالت كيلي رزوق، نائبة رئيس لجنة الإنقاذ الدولية لشؤون السياسات العالمية والمناصرة، إن الأزمة لا تقتصر على الجانب الإنساني المعيشي فقط، بل تمتد إلى آثار نفسية عميقة، خاصة على الأطفال.
وأوضحت أن فريق اللجنة التقى طفلا نازحا يبلغ من العمر 13 عاما، قال إنه يريد أن يصبح مهندسا معماريا “حتى يعيد بناء منزله”، مشيرة إلى أن هذا الطفل يمثل أكثر من 360 ألف طفل نازح يعيشون حالة خوف وعدم يقين بشأن المستقبل.
وأضافت أن غالبية العائلات التي تمت مقابلتها تحدثت عن مستويات مرتفعة من القلق والحزن والاكتئاب، فيما يعاني الأطفال من اضطرابات في النوم، ويواجه الآباء ضغوطا نفسية قاسية في محاولة توفير الحماية لأسرهم رغم ما يعيشونه من صدمات.
وأكدت أن خدمات الصحة النفسية أصبحت ضرورة ملحة، مشيرة إلى جهود لجنة الإنقاذ الدولية بالتعاون مع شركاء محليين في تقديم دعم نفسي عبر “الخط الوطني للحياة” المخصص للوقاية من الانتحار والدعم العاطفي، إضافة إلى فرق متنقلة تقدم خدمات مباشرة داخل المجتمعات.
لكنها حذرت من أن التمويل المخصص لهذه البرامج يتراجع في وقت تتزايد فيه الحاجة، ما يهدد بتقليص الخدمات الحيوية التي تساعد المتضررين على تجاوز الصدمات وإعادة الاستقرار.
وفي موازاة الأزمة الإنسانية، تتصاعد التطورات الميدانية في جنوب لبنان، حيث تواصل إسرائيل عمليات الهدم والتجريف وإصدار أوامر الإخلاء في القرى الحدودية، في سياق ينظر إليه على أنه محاولة لفرض منطقة عازلة ومنع عودة السكان.
وتأتي هذه العمليات بعد أشهر من القصف والتهجير منذ اندلاع المواجهات في 8 أكتوبر 2023، واستمرارها رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، ثم تجدد الحرب في 2 مارس 2026، قبل بدء سريان اتفاق جديد في 17 أبريل.
عمليات نسف وتفجير
وخلال هذه الفترة، كثف جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليات النسف والتفجير وهدم المباني في المنطقة الحدودية، باستخدام جرافات ومقاولين، ما أدى إلى تسوية أحياء وقرى كاملة بالأرض، وسط تساؤلات حول أهداف هذه العمليات.
وبحسب ما نقلته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، قال مسؤول إسرائيلي كبير إن بقاء إسرائيل داخل “منطقة أمنية” في جنوب لبنان بعد وقف إطلاق النار سيكون “نتيجة جيدة جدا”، ما يعزز الانطباع بأن العمليات الجارية تهدف إلى إعادة تثبيت وجود أمني طويل الأمد داخل الشريط الحدودي.
وتشير هذه التصريحات إلى توجه لإعادة تشكيل القرى الحدودية بما يخدم التصور الأمني الإسرائيلي الجديد، بدلا من عودتها إلى وضعها الطبيعي بعد الحرب.
وفي السياق ذاته، أعلن وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 24 مارس 2026 أن الجيش يعتزم إقامة “منطقة أمنية” تمتد حتى نهر الليطاني، مع السيطرة على الجسور المتبقية فوق النهر، مشيرا إلى أن النموذج يشبه ما جرى في قطاع غزة عبر إنشاء أحزمة أمنية وإزالة المباني القريبة من الحدود.
كما أكد أن مئات آلاف اللبنانيين النازحين من الجنوب لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم قبل ما وصفه بـ”ضمان الأمن” لسكان شمال إسرائيل، في خطوة تزيد من تعقيد المشهد الإنساني والسياسي في المنطقة.

