رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

فرنسا تقر قانونًا جديدًا لتسهيل إعادة الأعمال الفنية الأفريقية المنهوبة

فرنسا تقر قانوناً
فرنسا تقر قانوناً جديداً لتسهيل استعادة الأعمال الفنية

أقر البرلمان الفرنسي قانوناً جديداً يهدف إلى تسهيل إعادة القطع الفنية والأثرية التي خرجت من الدول الأفريقية خلال فترة الاستعمار، في خطوة وُصفت بأنها تحول تشريعي مهم في ملف طالما أثار جدلاً واسعاً بين باريس وعدد من الدول الأفريقية.

 وجاء التصويت لصالح القانون بالإجماع داخل البرلمان، قبل أن يصادق عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 9 مايو 2026، ليصبح ساري المفعول ضمن إطار قانوني جديد ينظم عمليات الإعادة بشكل أكثر مرونة وسرعة.

ويتيح التشريع الجديد للحكومة الفرنسية إمكانية استعادة الممتلكات الثقافية التي تم الاستحواذ عليها خلال الفترة الممتدة بين عامي 1815 و1972، وذلك عبر مرسوم إداري بدلاً من الحاجة إلى إصدار قانون خاص لكل حالة على حدة، وهو ما كان يمثل في السابق عقبة قانونية أساسية تعطل العديد من ملفات الاسترداد الثقافي. ويُنظر إلى هذا التغيير على أنه خطوة تهدف إلى تسريع الإجراءات وتقليل التعقيدات البيروقراطية المرتبطة بملفات التراث المنهوب.

لحظة سياسية توصف بالتاريخية داخل فرنسا

وصفت وزيرة الثقافة الفرنسية كاثرين بيجارد التصويت على القانون بأنه "لحظة تاريخية"، مؤكدة أن هذه الخطوة تعكس رغبة فرنسا في التعامل مع إرثها الاستعماري بشكل أكثر شفافية ومسؤولية، والعمل على إعادة بناء الثقة مع الدول الأفريقية التي تطالب منذ سنوات طويلة باسترجاع جزء من تراثها الثقافي الموجود داخل المتاحف الفرنسية.

ويأتي القانون في سياق سياسي ودبلوماسي حساس، في ظل تراجع النفوذ الفرنسي في عدد من دول القارة الأفريقية، خاصة في منطقة الساحل، حيث تسعى باريس إلى إعادة صياغة علاقاتها مع هذه الدول عبر مبادرات ثقافية وسياسية متعددة، من بينها ملف استعادة القطع الأثرية.

آلية جديدة تتجاوز تعقيدات الماضي

كان التعامل مع ملفات استعادة القطع الأثرية في فرنسا يخضع لقاعدة قانونية تعرف بـ"عدم قابلية التصرف" في مقتنيات المتاحف العامة، وهي قاعدة كانت تتطلب صدور قانون خاص لكل قطعة يتم إعادتها، ما جعل العملية بطيئة ومعقدة للغاية. ومع القانون الجديد، أصبح بإمكان الحكومة اتخاذ قرار الإعادة عبر مرسوم رسمي، بعد استشارة لجان علمية وبرلمانية مختصة، وهو ما يمنح الدولة مرونة أكبر في معالجة الطلبات المتزايدة من الدول الأفريقية.

ويحدد النص القانوني الجديد نطاق تطبيقه على القطع التي تم الاستحواذ عليها خلال الفترة بين عامي 1815 و1972، وهي الفترة التي شهدت توسعاً استعمارياً واسعاً لفرنسا في القارة الأفريقية، وتراكم خلالها عدد كبير من القطع الفنية والأثرية في المتاحف الفرنسية.

مطالب أفريقية قديمة تعود إلى الواجهة

لطالما طالبت دول أفريقية عديدة باستعادة تراثها الثقافي الذي خرج خلال الحقبة الاستعمارية، إلا أن هذه المطالب واجهت على مدار سنوات طويلة مقاومة من بعض المؤسسات الثقافية الفرنسية، إلى جانب تعقيدات قانونية حالت دون تنفيذ عمليات الإعادة بشكل واسع. ومع ذلك، أعادت دولة بنين فتح هذا الملف بقوة في السنوات الأخيرة، ما دفع النقاش إلى الواجهة من جديد داخل الأوساط السياسية والثقافية الفرنسية.

ومنذ عام 2020، تمت إعادة عدد محدود من القطع، من بينها 26 قطعة أثرية إلى بنين، بالإضافة إلى سيف تاريخي تم إرجاعه إلى السنغال، وكذلك طبلة تقليدية أعيدت إلى ساحل العاج مطلع عام 2026، إلا أن هذه الخطوات ظلت محدودة مقارنة بحجم المطالبات القائمة.

جدل سياسي بين اليسار واليمين

ورغم التوافق العام داخل البرلمان على القانون الجديد، إلا أنه أثار نقاشات سياسية داخل فرنسا، حيث دعا ممثلو اليسار إلى توسيع الفترة الزمنية المشمولة بالقانون لتشمل حقباً أقدم من عام 1815، بينما انتقد اليمين المتطرف بعض بنود التشريع، معتبراً أنه لا يتضمن ضمانات كافية لحماية القطع الأثرية بعد إعادتها، كما أثار تحفظات حول مسألة إعادة القطع إلى دول بعينها دون غيرها.

كما طُرحت مخاوف تتعلق بقدرة المتاحف الفرنسية على الحفاظ على هذه الأعمال قبل إعادتها، وهو ما دفع بعض النواب إلى المطالبة بتوفير ميزانيات إضافية لعمليات البحث والتحقق من أصول القطع الأثرية داخل المؤسسات الثقافية.

إعادة تقييم شامل لتراث المتاحف الفرنسية

يتضمن القانون الجديد أيضاً تكليف المتاحف الفرنسية بمهمة موسعة تتعلق بالتحقيق في أصول المقتنيات الموجودة لديها، من أجل تحديد ما إذا كانت قد حصلت عليها بطرق غير مشروعة خلال الفترة الاستعمارية. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها بداية عملية لإعادة تقييم شاملة لمجموعات المتاحف، التي تضم آلاف القطع ذات الأصل الأفريقي.

ويرى عدد من البرلمانيين أن نجاح هذا القانون لن يتوقف فقط على إقراره، بل على مدى توفر الموارد البشرية والمالية اللازمة لتنفيذه، محذرين من أن غياب الإمكانات قد يحول النص إلى إجراء رمزي أكثر منه عملياً، رغم أهميته السياسية والثقافية في السياق الحالي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء