رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

فيصل حوراني كاتب الذاكرة الفلسطينية من النكبة إلى المنافي

فيصل حوراني
فيصل حوراني

تحل ذكرى رحيل الكاتب والمفكر الفلسطيني فيصل حوراني، الذي توفي عن عمر ناهز 83 عاماً في منفاه الأخير بمدينة جنيف، بعد مسيرة طويلة امتدت لعقود تنقل خلالها بين عدة عواصم عربية وأوروبية، وظلت مرتبطة بشكل مباشر بتاريخ القضية الفلسطينية منذ النكبة عام 1948 وحتى واقع الشتات المعاصر، حيث مثّلت سيرته انعكاساً لتحولات سياسية وفكرية وإنسانية عاشها جيل كامل من الفلسطينيين في المنفى.

كاتب ومؤرخ للذاكرة الفلسطينية

يعد فيصل حوراني واحداً من أبرز الأسماء الفلسطينية التي انشغلت بتوثيق التجربة الوطنية الفلسطينية من منظور فكري وتحليلي، حيث قدّم عبر مسيرته عدداً كبيراً من الكتب والدراسات والمقالات التي تناولت قضايا الهوية واللجوء والتحولات السياسية، إلى جانب حضوره الصحافي والفكري في عدد من المنابر العربية، خصوصاً خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهو ما جعله من الأصوات البارزة في النقاش الثقافي والسياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية في تلك المرحلة.

ويرى عدد من المثقفين والباحثين أن حوراني مثّل نموذجاً للمثقف الفلسطيني الشامل، الذي لم يقتصر إنتاجه على جانب واحد، بل جمع بين التحليل السياسي والكتابة الفكرية والتوثيق التاريخي، مع تركيز واضح على أهمية حفظ الذاكرة الفلسطينية بوصفها ركيزة أساسية لاستمرار الهوية الوطنية في ظل ظروف اللجوء والشتات، وهو ما انعكس في أغلب أعماله التي سعت إلى تقديم سردية متماسكة لتجربة الفلسطينيين عبر الأجيال.

قراءة نقدية للمشهد الفلسطيني

عرف فيصل حوراني بقدرته على تقديم مقاربات نقدية للواقع السياسي الفلسطيني، حيث تناول في كتاباته بنية النظام السياسي الفلسطيني وتطوراته، إلى جانب تحليله لأداء الفصائل المختلفة ومنظمة التحرير الفلسطينية، مع اهتمام خاص بتفكيك الإشكاليات الداخلية التي واجهت المشروع الوطني، وهو ما ظهر بوضوح في عدد من أعماله الفكرية، من بينها كتابه "جبهة الرفض الفلسطينية"، الذي ناقش فيه ظاهرة التشدد السياسي وأثرها على وحدة الصف الفلسطيني ومسار القضية.

كما احتفظ حوراني بمسافة نقدية واضحة تجاه عدد من السياسات والممارسات السياسية، رغم تأييده العام لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما جعله ينتمي إلى تيار المثقفين الذين جمعوا بين الانتماء الوطني والطرح النقدي في الوقت نفسه، حيث لم يتردد في تقديم رؤى مختلفة حول مجريات الأحداث، مع الحفاظ على استقلاليته الفكرية وحرصه على قراءة الواقع الفلسطيني من زوايا متعددة.

علاقة متوازنة مع القيادة الفلسطينية

ارتبط اسم فيصل حوراني بعلاقات فكرية وسياسية مع عدد من القيادات الفلسطينية، وعلى رأسهم الرئيس الراحل ياسر عرفات، حيث تميزت هذه العلاقة بطابع يجمع بين التقارب والاختلاف في آن واحد، إذ عُرف حوراني بجرأته في طرح مواقفه النقدية تجاه بعض السياسات، دون أن يؤدي ذلك إلى قطيعة مع القيادة الفلسطينية أو مؤسساتها، وهو ما يعكس طبيعة حضوره داخل المشهد السياسي الذي كان يتسم بتعدد الرؤى وتباين المواقف.

وتشير شهادات عدد من المقربين منه إلى أنه كان من الأصوات القليلة التي استطاعت الحفاظ على علاقة قائمة مع القيادة السياسية رغم انتقاداتها الصريحة، حيث كان ينظر إلى العمل الوطني من زاوية أوسع تتجاوز الخلافات اللحظية، مع التركيز على البعد الاستراتيجي للقضية الفلسطينية، وهو ما جعله شخصية ذات حضور خاص داخل الدوائر الفكرية والسياسية.

من غزة إلى المنافي

وُلد فيصل حوراني في قطاع غزة، وغادره مع عائلته عقب نكبة عام 1948، في واحدة من المحطات المفصلية التي شكلت وعيه المبكر بالقضية الفلسطينية، لينتقل إلى دمشق حيث نشأ وتلقى تعليمه، وهناك بدأت ملامح تجربته الفكرية والسياسية تتشكل، قبل أن ينخرط في العمل الثقافي والصحافي، متأثراً بالتحولات الفكرية والسياسية التي كانت تشهدها المنطقة في تلك الفترة.

لاحقاً، انتقل إلى بيروت عام 1979، حيث عمل في مؤسسات تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وشارك في العمل الإعلامي والفكري من خلال مركز الأبحاث الفلسطيني ومؤسسات إعلامية أخرى، قبل أن تتواصل رحلته في المنافي بين فيينا وتونس وجنيف، في مسار طويل ارتبط بتجربة الشتات الفلسطيني، حيث عاش تحولات شخصية وفكرية انعكست على إنتاجه الأدبي والسياسي.

دروب المنفى

يعد عمله الأبرز "دروب المنفى" الذي صدر في خمسة أجزاء، من أهم الأعمال التي وثّقت التجربة الفلسطينية من منظور ذاتي وسردي، حيث تناول فيه تفاصيل حياته الشخصية منذ الطفولة في غزة، مروراً بدمشق وبيروت ونيقوسيا وفيينا وصولاً إلى جنيف، مقدماً قراءة شاملة لتجربة الفلسطينيين في المنافي، وما رافقها من معاناة وتحولات اجتماعية وسياسية وثقافية.

وقد اكتسب هذا العمل أهمية خاصة لكونه جمع بين السيرة الذاتية والتحليل التاريخي، حيث لم يكتف بسرد التجربة الفردية، بل حاول ربطها بالسياق العام للقضية الفلسطينية، ما جعله من الأعمال المرجعية في توثيق تجربة اللجوء الفلسطيني عبر مراحل زمنية مختلفة، مع التركيز على البعد الإنساني والتاريخي في آن واحد.

تنوع إنتاج فيصل حوراني بين الرواية والدراسة والبحث والصحافة، وهو ما جعل تصنيفه الأدبي محل نقاش بين النقاد والباحثين، إذ رأى البعض أنه أقرب إلى المؤرخ والمحلل السياسي منه إلى الروائي التقليدي، فيما اعتبره آخرون كاتباً متعدد الاهتمامات ساهم في توثيق التجربة الفلسطينية من زوايا مختلفة دون الالتزام بقالب أدبي واحد.

ورغم هذا التنوع، ظل اسمه مرتبطاً بمحاولة تقديم سردية فلسطينية متكاملة، تجمع بين التحليل السياسي والتوثيق التاريخي والسرد الشخصي، في إطار رؤية تسعى إلى الحفاظ على الذاكرة الجماعية الفلسطينية، وتسجيل تفاصيلها في مواجهة محاولات الطمس والنسيان.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء