دستور 1982 على أبواب النهاية.. وأردوغان يبحث عن صيغة جديدة للحكم
تشهد الساحة السياسية في تركيا في الأونة الأخيرة، تصاعدًا واضحًا في النقاشات المرتبطة بمشروع إعداد دستور جديد، في خطوة تعتبرها الحكومة تحولًا مفصليًا يهدف إلى إنهاء مرحلة الدساتير المرتبطة بالحكم العسكري وإرساء نظام قانوني، ومدني أكثر انسجامًا مع التطورات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
يأتي هذا التحرك بالتزامن مع تكرار دعوات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ لاعتماد دستور حديث، حيث يؤكد باستمرار أن تركيا أصبحت بحاجة إلى إطار دستوري جديد يواكب التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويعزز مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون، ويحافظ على استقرار مؤسسات الدولة.
وخلال مشاركته في احتفالية الذكرى الـ158 لتأسيس المحكمة الإدارية للدولة بمناسبة يوم العدالة الإدارية، شدد أردوغان على،، أن تركيا أمام فرصة تاريخية لبناء نظام ديمقراطي أكثر قوة عبر وضع دستور مدني وليبرالي وشامل، مشيًرا إلى أن الهدف يتمثل في إنشاء منظومة قانونية حديثة تحقق التوازن بين الدولة والمجتمع والقانون.

بعد الانقلاب العسكري.. الدستور يدخل حيز التنفيذ
كما يرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الدستور الحالي الذي دخل حيز التنفيذ عام 1982 بعد انقلاب 1980 العسكري، لم يُعد قادرًا على تلبية متطلبات المرحلة الراهنة، رغم التعديلات المتعددة التي طرأت عليه خلال العقود الماضية، وفي إطار التحركات العملية المتعلقة بالمشروع، كانت الحكومة قد بدأت منذ عام 2025 خطوات أولية لإعداد الدستور الجديد، بعدما كلف أردوغان لجنة مكونة من عشرة خبراء قانونيين بإعداد مسودة أولية تمهيدًا؛ لطرحها للنقاش السياسي والمؤسساتي.
ومع حلول عام 2026، توسعت المشاورات المتعلقة بالمشروع داخل تركيا، حيث أطلقت لجنة برلمانية برئاسة نائب الرئيس جودت يلماظ سلسلة لقاءات مع أحزاب المعارضة، وممثلي مؤسسات المجتمع المدني من أجل مناقشة تفاصيل الدستور المقترح، والاستماع إلى مختلف الآراء والملاحظات، كما صادق البرلمان التركي خلال مارس 2026 على تعديل دستوري جزئي اعتبره متابعون خطوة تمهيدية؛ لتهيئة المناخ السياسي والقانوني قبل الانتقال إلى مرحلة مناقشة المشروع الدستوري الكامل.
يستند المشروع الجديد إلى مجموعة من الأهداف التي تطرحها الحكومة ضمن رؤيتها السياسية لما تسميه «قرن تركيا»، وفي مقدمتها إنهاء آثار المرحلة التي أعقبت الانقلابات العسكرية، وصياغة دستور مدني يمنح مؤسسات الدولة مرونة أكبر، ويعزز استقرار النظام السياسي، حيث تشمل النقاشات أيضًا مراجعة بعض آليات النظام الرئاسي الحالي، مع التركيز على تطوير العلاقة بين السلطات المختلفة، وتعزيز أدوات الرقابة، والتوازن داخل مؤسسات الحكم.

تركيا تكشف الهدف الحقيقي من تغير الدستور
وفي الوقت نفسه، تحتل قضايا الهوية والمواطنة حيزًا مهمًا من الجدل القائم حول مشروع الدستور، حيث يتم تداول مقترحات تتعلق بإعادة تعريف مفهوم المواطنة التركية باعتباره إطارًا قانونيًا جامعًا بعيدًا عن الاعتبارات العرقية، إضافة إلى مناقشة ملفات تتعلق بالحقوق الثقافية وتعليم اللغات الأخرى، بما في ذلك اللغة الكردية، ضمن مساع تهدف إلى دعم الاستقرار الداخلي وتعزيز التعايش المجتمعي، ومن بين القضايا التي تثير نقاشًا واسعًا كذلك، المقترحات المتعلقة بتعديل قاعدة «50% + 1» المطلوبة لحسم الانتخابات الرئاسية، وهي نقطة تعتبرها المعارضة، محاولة قد تمنح الحزب الحاكم أفضلية سياسية في الاستحقاقات المقبلة.
ورغم تأكيد أردوغان، أن الهدف من المشروع يتمثل في ترك دستور مدني حديث يخدم الأجيال القادمة، فأن قوى المعارضة تبدي تحفظات كبيرة تجاه هذه الخطوة، وتتهم الحكومة بالسعي إلى إعادة تشكيل النظام السياسي بطريقة قد تتيح للرئيس الحالي الترشح مجددًا في انتخابات 2028.
وفي المقابل، تواجه الحكومة تحديات سياسية داخل البرلمان؛ إذ يحتاج حزب العدالة والتنمية مع حليفه حزب الحركة القومية إلى تأمين دعم 360 نائبًا من أصل 600 لإحالة مشروع الدستور إلى استفتاء شعبي، أو الحصول على 400 صوت لتمريره بشكل مباشر داخل البرلمان، وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى ملف الدستور الجديد من أكثر القضايا السياسية حساسية داخل تركيا خلال المرحلة الحالية؛ نظرًا لارتباطه بمستقبل النظام السياسي وتوازن السلطات، وطبيعة الحياة السياسية في البلاد خلال السنوات المقبلة.
كما يرى مراقبون، أن نجاح المشروع في تركيا سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومة على تحقيق توافق سياسي واسع مع المعارضة، ومختلف القوى المجتمعية، في وقت تستمر فيه حالة الاستقطاب الحاد حول مستقبل الحكم وشكل النظام السياسي الذي ستتجه إليه تركيا مستقبلًا.