العصر الذهبي.. كيف تحولت علاقة القاهرة وباريس لشراكة استراتيجية فريدة؟
منذ عام 2014، لم تكن العلاقات المصرية الفرنسية مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية بين دولتين محوريتين، بل تحولت إلى "تحالف الضرورة والاستقرار" في منطقة تعصف بها الأزمات.
على مدار اثني عشر عاما، نجحت القاهرة وباريس في بناء نموذج فريد من الشراكة الاستراتيجية التي تجاوزت التعاون العسكري لتشمل آفاقا اقتصادية، تعليمية، وتنموية غير مسبوقة، توجت بالزيارة التاريخية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الإسكندرية في مايو 2026.
2014.. نقطة التحول
بدأ المسار التصاعدي للعلاقات مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم، حيث وجدت فرنسا في الإدارة المصرية الجديدة شريكا يتمتع برؤية واضحة لمكافحة الإرهاب وضمان أمن شرق المتوسط.
كانت فرنسا من أوائل الدول الأوروبية التي دعمت خيارات الدولة المصرية، وظهر ذلك جليا في عام 2015 عندما شارك الجانب الفرنسي كضيف شرف في افتتاح قناة السويس الجديدة، في رسالة سياسية واضحة تعكس عمق الثقة المتبادلة.
الملف العسكري
يعد الملف العسكري حجر الزاوية في هذه العلاقة. ففي غضون سنوات قليلة، أصبحت فرنسا أحد أهم مصادر تنويع مصادر السلاح للجيش المصري. صفقات طائرات "رافال" المقاتلة، وحاملات المروحيات من طراز "ميسترال"، والفرقاطات البحرية المتطورة، لم تكن مجرد صفقات تجارية، بل كانت تمكينا للدولة المصرية لحماية ثرواتها الغازية في المتوسط وتأمين حدودها المترامية. وفي المقابل، ترى باريس في القوة العسكرية المصرية "صمام أمان" يمنع انهيار المنطقة أمام موجات الهجرة غير الشرعية وتمدد الجماعات المتطرفة.
الاقتصاد والتنمية
على الصعيد الاقتصادي، انتقلت العلاقة من التبادل التجاري البسيط إلى الاستثمار في البنية التحتية.
وبحلول عام 2026، ارتفع حجم الاستثمارات الفرنسية في مصر ليتجاوز 7.7 مليار دولار، حيث تعمل أكثر من 180 شركة فرنسية في قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة، النقل، والاتصالات.
ويبرز مشروع "مترو أنفاق القاهرة" كشاهد حي على هذه الشراكة، حيث ساهمت الخبرات والتمويلات الفرنسية في تحديث وتوسعة هذا المرفق الحيوي.
كما سجل التبادل التجاري رقما قياسيا في عام 2024 ببلوغه 2.8 مليار دولار، مع توقعات بزيادة أكبر عقب الاتفاقيات الموقعة في ربيع 2025.
التنسيق السياسي
سياسيا، تعمل القاهرة وباريس ككتلة واحدة في العديد من الملفات الدولية. هناك توافق شبه كامل حول ضرورة الحل السياسي في ليبيا بعيدا عن التدخلات الأجنبية، ودعم استقرار السودان ولبنان.
وفيما يخص القضية الفلسطينية، تتبنى الدولتان موقفا حازما بضرورة إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.
وفي هذا التنسيق يمتد ليشمل أمن الطاقة، حيث تلعب مصر دورا محوريا كمركز إقليمي لتداول الغاز، وهو ما تعتبره فرنسا حيويا لأمن الطاقة الأوروبي في ظل التقلبات الجيوسياسية العالمية.
البعد الثقافي والتعليمي
لم تغفل الشراكة الجانب الإنساني؛ ففي مايو 2026، شهدت مدينة الإسكندرية افتتاح المقر الجديد لجامعة "سنجور" ببرج العرب، وهي الجامعة الدولية الناطقة بالفرنسية التي تعزز الروابط التعليمية مع القارة الإفريقية انطلاقا من مصر.
ويعكس هذا التوجه رغبة البلدين في تحويل مصر إلى منصة تعليمية وثقافية فرنسية في المنطقة، مما يعزز "القوة الناعمة" لكلا الطرفين.
آفاق التعاون
إن زيارة الرئيس ماكرون الأخيرة للإسكندرية واللقاءات المكثفة التي جمعته بالرئيس السيسي، تؤكد أن العلاقة تمر بـ "عصرها الذهبي".
وإن التحول الرسمي إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية" في أبريل 2025 لم يكن مجرد مسمى بروتوكولي، بل هو انعكاس لواقع جيوسياسي أصبحت فيه مصر وفرنسا ركيزتين لا غنى عنهما لاستقرار حوض البحر المتوسط.
ومع استمرار هذا الزخم، يبدو أن العقد القادم سيشهد مزيدا من الاندماج في ملفات التكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي، مما يجعل من هذا التحالف نموذجا يحتذى به في العلاقات الدولية.