رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكرى تنصيبه.. مانديلا يهز العالم: «حريتنا لن تكتمل دون فلسطين»

الرئيس الجنوب أفريقي
الرئيس الجنوب أفريقي مانديلا والرئيس الفلسطيني ياسرعرفات

تمر اليوم ذكرى واحدة من أكثر اللحظات المفصلية في التاريخ الحديث، حين أصبح الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا أول رئيس أسود لجمهورية جنوب أفريقيا عام 1994، بعد فوزه في أول انتخابات ديمقراطية شاملة شارك فيها مواطنو البلاد من مختلف الأعراق، وهو الحدث الذي أنهى رسميًا عقودًا طويلة من نظام الفصل العنصري الذي سيطر على الحياة السياسية والاجتماعية في جنوب أفريقيا، وترك آثارًا عميقة امتدت لعقود.

ويمثل هذا التحول السياسي الكبير ذروة مسار نضالي طويل خاضه مانديلا ضد التمييز والعنصرية، بدأ من العمل السياسي والتنظيمي داخل صفوف حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ومرّ بسنوات من المطاردة والسجن، قبل أن يتحول لاحقًا إلى رمز عالمي للحرية والمساواة وحقوق الإنسان، يتجاوز تأثيره حدود بلده ليصبح أحد أبرز رموز القرن العشرين.

يوم عالمي باسم مانديلا تقديرًا لمسيرته الإنسانية

في خريف عام 2009، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة تخصيص يوم 18 يوليو ليكون يومًا دوليًا لنيلسون مانديلا، في خطوة جاءت تقديرًا لمسيرته الطويلة في الدفاع عن الحرية وترسيخ قيم السلام والتعايش بين الشعوب، واعترافًا بدوره في تغيير واقع سياسي قائم على التمييز العنصري إلى نظام ديمقراطي أكثر شمولًا.

ويحمل هذا اليوم رمزية خاصة، إذ يتزامن مع ذكرى ميلاد مانديلا، المعروف بين أبناء شعبه باسم "ماديبا"، وهو الاسم الذي أصبح لاحقًا رمزًا للمصالحة الوطنية والوحدة في جنوب أفريقيا، حيث ارتبط اسمه بفكرة تجاوز الانقسام وبناء دولة تقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية.

من النضال إلى السجن.. رحلة طويلة ضد الفصل العنصري

ولد نيلسون مانديلا عام 1918 في إقليم ترانسكاي بجنوب أفريقيا، ونشأ في بيئة تقليدية ضمن عشيرة زوسا، قبل أن ينتقل إلى الدراسة والعمل القانوني، حيث بدأ تدريجيًا في الانخراط في النشاط السياسي، ليلتحق عام 1943 بحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ويصبح لاحقًا من أبرز وجوهه وأكثرهم تأثيرًا.

ومع تصاعد سياسات الفصل العنصري التي فرضتها الحكومة البيضاء في جنوب أفريقيا، برز مانديلا كأحد قادة المقاومة، سواء من خلال العمل السياسي أو القانوني أو التنظيمي، وهو ما جعله هدفًا مباشرًا للسلطات، ليُحكم عليه في عام 1964 بالسجن مدى الحياة بتهم تتعلق بالتخطيط لقلب نظام الحكم، بعد محاكمة شهيرة عُرفت باسم "محاكمة ريفونيا".

وقضى مانديلا داخل السجون 27 عامًا كاملة، بينها 18 عامًا في سجن روبن آيلاند، في ظروف قاسية، لكنه خلال هذه السنوات تحول إلى رمز عالمي للنضال ضد الظلم، حيث ساهمت قضيته في إطلاق موجة تضامن دولية واسعة ضد نظام الفصل العنصري، وزادت الضغوط السياسية والاقتصادية على جنوب أفريقيا.

الإفراج التاريخي وبداية مرحلة التحول الديمقراطي

في عام 1990، اتخذ الرئيس الجنوب أفريقي إف دبليو دي كليرك قرارًا تاريخيًا بالإفراج عن نيلسون مانديلا بعد عقود من السجن، وهو القرار الذي شكل بداية مرحلة جديدة في تاريخ البلاد، بدأت خلالها مفاوضات سياسية معقدة بين الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، بهدف إنهاء نظام الفصل العنصري وبناء نظام ديمقراطي شامل.

وبعد أربع سنوات من الحوار السياسي، أجريت أول انتخابات ديمقراطية متعددة الأعراق في جنوب أفريقيا عام 1994، شارك فيها ملايين المواطنين لأول مرة دون تمييز عرقي، ليفوز مانديلا بمنصب الرئاسة، ويصبح أول رئيس أسود في تاريخ البلاد، في لحظة اعتُبرت نقطة تحول كبرى ليس فقط لجنوب أفريقيا، بل للقارة الأفريقية بأكملها.

فترة الرئاسة

خلال فترة حكمه التي امتدت من 1994 حتى 1999، ركز مانديلا على تحقيق المصالحة الوطنية بين مكونات المجتمع الجنوب أفريقي، بعد سنوات طويلة من الانقسام والتمييز، كما عمل على تأسيس مؤسسات دولة جديدة تقوم على مبادئ المساواة وسيادة القانون، مع إعطاء أولوية لتحسين أوضاع الفئات الفقيرة والمهمشة.

كما أولى اهتمامًا خاصًا بإعادة دمج جنوب أفريقيا في المجتمع الدولي بعد سنوات من العزلة السياسية والاقتصادية، وسعى إلى جذب الاستثمارات وتعزيز الاستقرار الداخلي، إلى جانب دعم برامج التنمية الاجتماعية والتعليمية والصحية، بما يضمن تقليل الفجوات التي خلفها نظام الفصل العنصري.

مانديلا والقضايا العربية والفلسطينية

ارتبط اسم نيلسون مانديلا بعدد من القضايا الإقليمية والدولية، من بينها القضايا العربية، حيث زار عددًا من الدول العربية في مراحل مختلفة من حياته السياسية، مثل مصر والجزائر، وأبدى اهتمامًا واضحًا بالقضية الفلسطينية، معتبرًا إياها جزءًا من حركات التحرر العالمية ضد الاستعمار والتمييز.

وفي عام 1997، صرّح مانديلا بعبارة شهيرة قال فيها إن "الحرية منقوصة بدون الحرية للفلسطينيين"، وهو موقف عكس رؤيته القائمة على ربط العدالة في بلاده بالعدالة في العالم، ورفضه لأي شكل من أشكال الاحتلال أو التمييز، وهو ما جعل مواقفه تحظى بتقدير واسع في أوساط سياسية وشعبية متعددة.

بعد انتهاء فترته الرئاسية عام 1999، ابتعد مانديلا تدريجيًا عن الحياة السياسية المباشرة، لكنه واصل نشاطه الإنساني والخيري، خاصة في مجالات مكافحة الفقر والأمراض مثل الإيدز، إضافة إلى مشاركته في جهود السلام في عدد من الدول الأفريقية التي شهدت نزاعات داخلية.

وفي عام 2013، توفي نيلسون مانديلا عن عمر ناهز 95 عامًا، إلا أن إرثه السياسي والإنساني ظل حاضرًا بقوة، حيث يُنظر إليه حتى اليوم باعتباره أحد أبرز رموز الحرية والمصالحة في التاريخ الحديث، وشخصية استطاعت تحويل النضال من أجل الحقوق إلى نموذج عالمي للعدالة والسلام.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء