«حجر رشيد».. كيف قادت فرنسا العالم لاكتشاف أسرار التاريخ المصري القديم؟
يُعد حجر رشيد أحد أهم الاكتشافات الأثرية في تاريخ البشرية، إذ شكّل المفتاح الأساسي لفهم اللغة المصرية القديمة، وفتح الباب أمام ولادة علم المصريات الحديث؛ حيث لعبت فرنسا دورا محورياً في قصة هذا الحجر منذ لحظة اكتشافه وحتى المراحل الأولى من دراسته وتحليل نقوشه، ما جعل اسمها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بإحياء حضارة مصر القديمة وإخراجها من دائرة الغموض إلى فضاء المعرفة العلمية.
كيف اكتشفت فرنسا حجر رشيد
بدأت القصة عام 1799 خلال الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت، حين كان الضابط الفرنسي بيير فرانسوا بوشار يشرف على أعمال عسكرية في منطقة رشيد، فعثر بالصدفة على حجر من الديوريت يحمل نقوشا غريبة بثلاث كتابات مختلفة، وسرعان ما أدرك الضباط الفرنسيون أهميته العلمية، خاصة بعد ملاحظة وجود نص واحد مكتوب بثلاث لغات هي الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية.
وأدرك العلماء الفرنسيون المرافقون للحملة أن هذا الحجر يمثل فرصة تاريخية لفهم الحضارة المصرية القديمة، فقاموا بنسخ نقوشه وإرسالها إلى مراكز البحث في فرنسا، ما ساهم في بدء أولى الدراسات المنظمة حوله في أوروبا، ومن تلك اللحظة، أصبح هذا الحدث نقطة تحول كبرى في تاريخ الدراسات الشرقية، حيث لم يعد التراث المصري القديم مجرد آثار صامتة، بل أصبح نصوصاً قابلة للقراءة والتحليل.
دور جان فرانسوا شامبليون
وبعد هزيمة الحملة الفرنسية، انتقل حجر رشيد إلى بريطانيا عام 1802، لكنه ظل محور اهتمام العلماء الفرنسيين الذين واصلوا دراسة نسخه المنقولة، إذ برز في هذه المرحلة دور الباحث الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، الذي اعتمد على المقارنة بين النص اليوناني والنصوص المصرية، واستطاع عبر سنوات من البحث أن يضع الأسس الأولى لفك رموز الكتابة الهيروغليفية.
اعتمد شامبليون على تحليل الأسماء الملكية مثل اسم بطليموس وكليوباترا، ولاحظ أن الرموز الهيروغليفية تحمل قيما صوتية وليس مجرد رموز تصويرية، وهو ما مكنه في عام 1822 من الإعلان عن نجاحه في فك رموز اللغة المصرية القديمة.
ويعتبر هذا الإنجاز ثورة علمية حقيقية، لأنه أتاح قراءة النصوص المصرية القديمة وفهم تاريخ مصر الديني والسياسي والاجتماعي، كذلك أسهم هذا الاكتشاف في تأسيس علم المصريات الحديث، وفتح المجال أمام دراسة واسعة للحضارة المصرية التي كانت حتى ذلك الوقت غامضة إلى حد كبير، مما عزز هذا الاكتشاف مكانة فرنسا في مجال الدراسات الأثرية واللغوية، وجعلها من الدول الرائدة في البحث عن الحضارات القديمة وفهمها.
وعلى الرغم أن حجر رشيد يوجد اليوم في المتحف البريطاني، فإن الدور الفرنسي في اكتشافه ودراسته الأولية يظل أساسياً في مسيرة فهمه، إذ لولا جهود العلماء والبعثات الفرنسية لما كان بالإمكان الوصول إلى هذا الإنجاز العلمي الكبير، لأنه أصبح الحجر رمزا عالميا لفك أسرار الماضي، ودليلا على أهمية التعاون العلمي في إحياء التراث الإنساني.
وبذلك الاكتشاف يمكن القول إن فرنسا لم تكن مجرد طرف في قصة حجر رشيد، بل كانت فاعلا رئيسياً في تحويله من قطعة أثرية غامضة إلى مفتاح لفهم واحدة من أعظم حضارات التاريخ، وهي الحضارة المصرية القديمة.