بدأت في «أم الدنيا».. تعرف على أقدم 10 وزارات ثقافة عربية
ارتبط ظهور وزارات الثقافة في العالم العربي بمراحل الاستقلال الوطني وتأسيس الدولة الحديثة، إذ أدركت الحكومات العربية منذ خمسينيات القرن الماضي أن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا، بل أحد أهم عناصر بناء الهوية الوطنية وصناعة الوعي العام.
ومن هنا بدأت الدول العربية إنشاء مؤسسات رسمية تعني بالفنون والآداب والتراث، بعضها جاء في صورة وزارات مستقلة، بينما بدأ البعض الآخر داخل وزارات الإعلام أو التعليم قبل أن يتحول لاحقًا إلى كيان ثقافي مستقل.
ورغم اختلاف التواريخ الرسمية بين دولة وأخرى، فإن التجربة العربية تكشف أن الثقافة كانت حاضرة بقوة في مشاريع التحديث السياسي والاجتماعي، خاصة مع الاهتمام بالمسرح والسينما والموسيقى والنشر والترجمة وحماية الآثار والتراث الشعبي.
مصر الأقدم عربيًا
تعد وزارة الثقافة المصرية أقدم مؤسسة ثقافية حكومية عربية بصيغتها الحديثة، إذ بدأت الدولة الاهتمام الرسمي بالعمل الثقافي بعد ثورة يوليو 1952 من خلال وزارة الإرشاد القومي، قبل أن تتحول رسميًا إلى وزارة الثقافة عام 1958، ومنذ ذلك الوقت لعبت الوزارة دورًا محوريًا في قيادة الحركة الثقافية العربية، سواء عبر دعم المسرح والسينما والفنون التشكيلية، أو من خلال مشروعات الترجمة والنشر وقصور الثقافة.
كما أشرفت الوزارة على تأسيس وإدارة عدد كبير من المؤسسات الثقافية المؤثرة، مثل دار الأوبرا المصرية، والمجلس الأعلى للثقافة، والهيئة العامة لقصور الثقافة، ودار الكتب والوثائق القومية، إلى جانب تنظيم مهرجانات فنية وأدبية أصبحت ذات حضور عربي ودولي واسع.
سوريا والعراق وبدايات العمل الثقافي المؤسسي
شهدت وزارة الثقافة السورية تأسيسها عام 1958 خلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا، حيث ارتبط ظهورها بفكرة دعم الهوية الثقافية العربية وتعزيز الإنتاج الأدبي والفني، واهتمت الوزارة منذ بدايتها بالمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، إضافة إلى الإشراف على المتاحف والمواقع الأثرية والمجلات الثقافية.
أما وزارة الثقافة العراقية فقد تأسست عام 1960، لتصبح واحدة من أقدم المؤسسات الثقافية في المشرق العربي. واستفادت الوزارة من الإرث الحضاري الكبير لبلاد الرافدين، فركزت على حماية الآثار والمخطوطات ودعم الأدباء والشعراء والفنانين العراقيين، كما شهدت خلال عقود طويلة فترات دمج مع الإعلام قبل أن تستعيد استقلالها الإداري مرة أخرى.
تونس والمغرب بعد الاستقلال
بعد سنوات قليلة من الاستقلال، أسست تونس وزارة الشؤون الثقافية التونسية عام 1961 في إطار مشروع وطني يهدف إلى بناء هوية ثقافية حديثة تجمع بين الانفتاح والحفاظ على التراث المحلي، وأسهمت الوزارة في دعم المسرح والسينما والفنون والآداب، كما ارتبط اسمها بمهرجانات دولية بارزة مثل أيام قرطاج السينمائية وأيام قرطاج المسرحية.
وفي المغرب، تأسست وزارة الثقافة المغربية عام 1968، واهتمت بالحفاظ على التراث المغربي المتنوع الذي يجمع بين الثقافة العربية والأمازيغية والأندلسية، كما عملت على ترميم المدن التاريخية والمعالم الأثرية، وتشجيع الصناعات الثقافية والفنون التقليدية والموسيقى المغربية.
الخليج العربي وبناء المؤسسات الثقافية
مع بدايات الطفرة الاقتصادية والتنموية في الخليج العربي، ظهرت المؤسسات الثقافية الرسمية بصورة أوسع خلال سبعينيات القرن الماضي، ففي دولة الإمارات تأسست وزارة الثقافة الإماراتية عام 1972 بعد قيام الاتحاد مباشرة، بهدف الحفاظ على التراث الشعبي الإماراتي وبناء هوية ثقافية وطنية جامعة، إلى جانب دعم معارض الكتب والفنون والمهرجانات الثقافية.
وفي الكويت، بدأ النشاط الثقافي الرسمي عبر المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 1973، والذي أصبح واحدًا من أبرز المؤسسات الثقافية الخليجية والعربية، خاصة في مجالات النشر والترجمة والمسرح والفنون التشكيلية، قبل تطور العمل الثقافي لاحقًا ضمن كيانات وزارية أكثر استقلالًا.
الأردن والجزائر ولبنان
أُنشئت وزارة الثقافة الأردنية عام 1977، وسعت منذ تأسيسها إلى دعم الحركة الأدبية والفنية داخل المجتمع الأردني، من خلال رعاية المسرح والفنون التشكيلية والنشر والمهرجانات الثقافية، إضافة إلى برامج الحفاظ على التراث الشعبي.
وفي الجزائر، تأسست وزارة الثقافة والفنون الجزائرية عام 1982، وركزت بشكل كبير على استعادة الهوية الوطنية بعد سنوات الاستعمار، من خلال دعم الفنون الشعبية والموسيقى والمسرح والسينما، إلى جانب حماية المواقع التاريخية المرتبطة بتاريخ الثورة الجزائرية.
أما وزارة الثقافة اللبنانية فقد تأسست بشكل مستقل عام 1993 بعد أن كانت الثقافة تدار ضمن وزارة الثقافة والتعليم العالي، واهتمت الوزارة بدعم التنوع الثقافي والفني الذي يشتهر به لبنان، خاصة في مجالات المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية ومعارض الكتب والمهرجانات الدولية.
الثقافة كجزء من مشروع الدولة الحديثة
أثبتت التجربة العربية أن الثقافة كانت جزءًا أساسيًا من مشروع بناء الدولة الحديثة، إذ لم يقتصر دور وزارات الثقافة على تنظيم الأنشطة الفنية فقط، بل امتد إلى حماية الهوية الوطنية والحفاظ على التراث ودعم الصناعات الإبداعية وتعزيز الحوار الثقافي بين الشعوب.
ومع تطور مفهوم “القوة الناعمة”، أصبحت المؤسسات الثقافية إحدى أهم أدوات الحضور العربي في العالم، سواء عبر السينما والمسرح والموسيقى، أو من خلال الأدب والفنون والترجمة والمعارض الدولية، وهو ما منح الثقافة دورًا يتجاوز الحدود التقليدية للعمل الحكومي نحو التأثير الحضاري والإنساني الأوسع.