في ذكرى ميلاده .. رحلة سيد مكاوي شيخ الملحنين وموسيقار البهجة
في الثامن من مايو، تحل ذكرى ميلاد الموسيقار الكبير سيد مكاوي، أحد أبرز صناع الهوية الموسيقية المصرية، وصاحب البصمة الخاصة التي جمعت بين روح التراث الشعبي والابتكار الفني، ليستحق لقب شيخ الملحنين وأحد أهم رموز الموسيقى العربية في القرن العشرين.
بداياته

ولد سيد محمد سيد مكاوي يوم 8 مايو عام 1928 في حي السيدة زينب بالقاهرة، وعاش طفولة مختلفة بعدما فقد بصره في سن مبكرة، وهو الحدث الذي دفع أسرته إلى توجيهه نحو حفظ القرآن الكريم والإنشاد الديني، ليتشكل وجدانه الأول على أصوات التلاوة والمدائح والابتهالات.
ومنذ سنوات شبابه الأولى، أبدى مكاوي شغفا استثنائيا بالموسيقى الشرقية، وساعدته والدته على تنمية هذا الشغف، فكانت تشتري له الأسطوانات القديمة ليستمع إلى تراث كبار المطربين والملحنين، وفي تلك الفترة، تعرف على الشقيقين إسماعيل رأفت ومحمود رأفت، فكون معهما ما يشبه التخت الموسيقي الصغير لإحياء حفلات الأصدقاء، وهو ما ساهم في صقل موهبته وتكوين شخصيته الفنية.
المشوار الفني

بدأ سيد مكاوي مشواره الفني مطربا، حيث التحق بالإذاعة المصرية في أوائل الخمسينيات، واعتمد مطربا يؤدي أدوار وموشحات التراث الموسيقي الشرقي على الهواء مباشرة، لكن التحول الأهم في مسيرته جاء عندما اتجه إلى التلحين، لتبدأ رحلة الإبداع الحقيقي التي صنعت اسمه كواحد من أهم الملحنين في مصر والعالم العربي.
في منتصف الخمسينيات، بدأت الإذاعة المصرية الاعتماد عليه كملحن إلى جانب الغناء، فقدم العديد من الألحان الدينية للشيخ محمد الفيومي، ثم انطلق بعدها لتقديم الأغاني الشعبية والوطنية التي حملت طابعا مصريا خالصا.
مدرسة لحنية فريدة

استطاع سيد مكاوي أن يخلق مدرسة لحنية خاصة به تمزج بين البساطة الشعبية والعمق الموسيقي، ولحن لعدد كبير من نجوم الغناء العربي من بينهم أم كلثوم التي قدم لها رائعته الشهيرة "يا مسهرني"، كما لحن لشادية أغنيات خالدة مثل "هوى يا هوى" و"همس الحب"، ولليلى مراد "حكايتنا إحنا الاتنين"، ولنجاة الصغيرة "لو بتعزني، ولوردة الجزائرية مجموعة من أبرز أعمالها مثل "أوقاتي بتحلو" و"قلبي سعيد" و"بحبك صدقني"، كما تعاون مع أسماء بارزة أخرى مثل صباح وسميرة سعيد ومحمد عبد المطلب، وقدم عشرات الأغنيات التي أصبحت جزءا من الذاكرة الفنية العربية.
تجربة الإذاعة والمسرح

ولم يقتصر إبداع سيد مكاوي على الغناء والتلحين التقليدي، بل كان صاحب تجربة متفردة في الإذاعة والمسرح الغنائي، فقد كان صاحب الفضل في تطوير شكل مقدمات المسلسلات الإذاعية، حيث أدخل فكرة الأغنية التمهيدية للمسلسل، وقدم مقدمات شهيرة لأعمال مثل "شنطة حمزة" و"رضا بوند" و"حكايات حارتنا"، بأسلوب خفيف يجمع بين الكوميديا وخفة الظل.
ويبقى مشروع "المسحراتي" واحدا من أهم المحطات الفنية في تاريخه، حيث تعاون فيه مع الشاعر الكبير فؤاد حداد، وقدم شخصية المسحراتي بشكل جديد ومختلف، مستخدما الطبلة فقط دون فرقة موسيقية، ليصنع حالة فنية ارتبطت بوجدان المصريين في شهر رمضان لعقود طويلة.
كما شكل تعاونه مع صلاح جاهين محطة فنية استثنائية، خاصة في "رباعيات صلاح جاهين"، التي قدمت فلسفة إنسانية عميقة بلغة بسيطة قريبة من الناس، وتحولت إلى واحدة من علامات الفن المصري الحديث.
الحضور الوطني والمسرح الغنائي

وكان سيد مكاوي حاضرا بقوة في القضايا الوطنية والقومية، فقدم خلال العدوان الثلاثي عام 1956 الأغنية الجماعية "هنحارب"، كما لحن بعد نكسة 1967 أعمالا مؤثرة مثل "الدرس انتهى لموا الكراريس" التي غنتها شادية عقب مجزرة بحر البقر، و"إحنا العمال اللي اتقتلوا" بعد حادث مصنع أبو زعبل.
وفي المسرح الغنائي، ترك مكاوي بصمة لا تنسى من خلال أعمال مثل أوبريت "القاهرة في ألف عام" و"الحرافيش"، إلى جانب مشاركته في تلحين أعمال مسرحية شهيرة مثل "مدرسة المشاغبين" و"هاللو دوللي"، فضلا عن أوبريت العرائس الأشهر "الليلة الكبيرة"، الذي لا يزال حتى اليوم أحد أهم علامات الفن الشعبي المصري.
عبقرية فنية متفردة
وعلى الرغم من فقدانه البصر، فإن سيد مكاوي امتلك رؤية فنية متفردة، وكان معروفا بروحه المرحة وشخصيته الإنسانية القريبة من الجميع، كما عرف بعشقه للموسيقى العالمية خاصة أعمال الموسيقار لودفيج فان بيتهوفن.
ونال مكاوي خلال مسيرته العديد من الجوائز والأوسمة، أبرزها وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى، إلى جانب تكريمات عديدة من المؤسسات الفنية والثقافية.
ورحل سيد مكاوي عن عالمنا في 21 أبريل عام 1997، تاركا إرثا موسيقيا خالدا ما زال حيا في وجدان الجمهور العربي، لتبقى ألحانه شاهدة على عبقرية فنان استطاع أن يحول التراث الشعبي إلى فن خالد، وأن يمنح الموسيقى المصرية روحا لا تشبه سواها.