البحث عن نصر رمزي.. هل دخل ترامب مستنقعا عسكريا بمواجهة إيران؟
في مايو 2026، يجد المشهد السياسي والعسكري العالمي نفسه أمام لحظة فارقة تعيد إلى الأذهان انكسارات القوى العظمى في حروب القرن العشرين والواحد والعشرين، ولم تعد حرب إيران مجرد صراع نفوذ في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى معضلة وجودية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي يجد نفسه عالقاً في "وحل" استراتيجي يشبه إلى حد بعيد ما اختبرته واشنطن في فيتنام، والعراق، وأفغانستان.
فشل الردع العسكري وتحدي الحرب غير المتناظرة

كشف المحلل السياسي الإسباني لويس باسيتيس، أنه رغم القوة النارية الهائلة التي استعرضها البنتاجون على مدار شهرين من القصف المتواصل، تبيّن أن تدمير الترسانة الباليستية الإيرانية واستهداف كبار قادتها لم يحقق "الانتصار" الموعود، ولقد أثبتت طهران قدرة فائقة على الصمود عبر "الحرب غير المتناظرة"، حيث نجحت في استنزاف المنظومات الدفاعية الأمريكية باهظة التكاليف باستخدام طائرات مسيرة وصواريخ "منخفضة التكلفة".
وأكد باسيتيس، في تحليله بصحيفة “إلباييس” الإسبانية، أن هذا التفاوت في التكاليف والنتائج جعل الولايات المتحدة تغرق في استنزاف مالي وعسكري دون أفق سياسي واضح.
السيطرة على مضيق هرمز بالقوة أو محاولة الاستيلاء على مخزونات اليورانيوم المخصب بنسبة 60% تحولت من أهداف تكتيكية إلى كوابيس لوجستية محفوفة بمخاطر الانزلاق نحو حرب شاملة لا يريدها أحد.
المعضلة السياسية: بين "خيانة" المبادئ والاعتراف بالهزيمة
وأضاف أنه يواجه ترامب معضلة "نفس-سياسية" حادة؛ فهو الذي بنى شعبيته على انتقاد الاتفاق النووي لعام 2015 ووصفه بـ "الأسوأ في التاريخ"، يجد نفسه اليوم أمام خيار العودة لاتفاق مشابه أو ربما أكثر إجحافاً للمصالح الأمريكية، لمجرد وقف نزيف الحرب.
ويعد اتهام ترامب لخصومه في السابق بـ "اللعب بنار الحرب العالمية الثالثة" بات اليوم سلاحاً مرتداً ضده، حيث تتصاعد الأصوات التي تتهمه بذات التهمة. الخطر الحقيقي لا يكمن في الميدان فحسب، بل في "فقدان المصداقية" أمام قاعدته الانتخابية التي وعدها بإنهاء الحروب الخارجية لا إشعال فتيل حروب استنزاف طويلة الأمد.
الاقتصاد والانتخابات: محركات الضغط الداخلي

لا يمكن قراءة هذا الصراع بمعزل عن الأرقام الاقتصادية؛ فالارتفاع الجنوني في أسعار النفط نتيجة إغلاق مضيق هرمز وضع الاقتصاد العالمي والأمريكي على حافة الركود.
ومع اقتراب انتخابات منتصف المدة، يدرك ترامب أن "الوطنية الحماسية" لن تشفع له أمام المواطن الذي يعاني من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. هذه الضغوط تجعل من إنهاء الأعمال العدائية ضرورة ملحة، لكن العائق الأكبر يظل في "الأنا" السياسية للرئيس، الذي يرفض قبول أي مخرج يظهره في مظهر "المهزوم" أمام النظام الإيراني.
تصدع التحالفات والابتزاز السياسي

على الصعيد الدولي، يبدو المشهد أكثر تعقيداً فالحلفاء الأوروبيون، بقيادة ألمانيا، لم يعودوا قادرين على إخفاء امتعاضهم من السياسة الأمريكية.
التصريحات الصريحة للمستشار الألماني فريدريك ميرز حول "إذلال أمريكا على يد إيران" أدت إلى رد فعل انتقامي من ترامب، تمثل في سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، مما عمق الشرخ في حلف الناتو.
وفي الوقت ذاته، يبرز دور بنيامين نتنياهو كعامل معرقل لأي تهدئة، حيث يواصل الضغط باتجاه التصعيد لحماية مصالحه السياسية الخاصة، ما يترك ترامب وحيداً في مواجهة حلفاء عرب غاضبين من تدهور أمن المنطقة، وأوروبيين يرفضون تقديم أي دعم عسكري في هرمز ما لم تكن هناك ضمانات لسلام دائم.
مهمة البنتاجون المستحيلة
في نهاية المطاف، كُلف البنتاجون بمهمة هي الأقرب للمستحيل في تاريخ العسكرية الحديثة: هندسة مخرج دبلوماسي ينهي الحرب، ويفتح الممرات المائية الدولية، ويضمن عدم امتلاك إيران للقنبلة النووية، كل ذلك بشرط ألا يبدو ترامب "محطماً" أو "مهزوماً".
وأردف المحلل السياسي الإسباني، أن البحث عن "نصر رمزي" وسط هزيمة استراتيجية واضحة هو ما يشغل تفكير الإدارة الآن، وبينما تستمر المدافع في الهيجان، يبقى السؤال المعلق: هل يمكن لغرس الأنا والغطرسة أن يفسح المجال للحكمة الدبلوماسية قبل فوات الأوان؟ التاريخ يقول إن الحروب التي تبدأ بلا أهداف سياسية واضحة، تنتهي دائماً بكوارث، وترامب اليوم يكتب فصلاً جديداً في هذا السجل المأساوي.



