رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تمرد صيني ناعم على المنظومة الأمريكية.. بكين وطهران في مواجهة العقوبات

تعبيرية
تعبيرية

بينما تواصل واشنطن تشديد قبضتها عبر منظومة العقوبات الاقتصادية، تبدو الصين وكأنها تختبر بهدوء حدود هذه المنظومة من داخلها لا من خارجها. فالعلاقة المتنامية بين بكين وإيران لم تعد مجرد شراكة تجارية ظرفية، بل تحوّلت إلى مسار موازٍ يعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي العالمي، ويمنح طهران متنفسًا حيويًا في مواجهة الضغوط الغربية.


في هذا السياق، لا يظهر التقارب الصيني - الإيراني كتحالف تقليدي بقدر ما يبدو كجزء من تحوّل أوسع في سلوك الصين الدولي، حيث تتقدم بكين تدريجيًا نحو أدوار أكثر جرأة في كسر فعالية العقوبات، وبناء شبكات اقتصادية بديلة، وإعادة تعريف موقعها داخل الأزمات الدولية دون الانخراط المباشر في صدامات سياسية أو عسكرية.


هذا التحول يطرح سؤالًا أعمق من مجرد العلاقة مع إيران: هل نحن أمام بداية تشكّل نظام اقتصادي عالمي موازٍ تقوده الصين بهدوء، أم مجرد توسع محسوب في هامش المناورة داخل نظام ما زالت واشنطن تهيمن على قواعده الأساسية؟

الصين عصب اقتصادي لطهران

كشفت تقارير بحثية أمريكية أن الصين باتت تمثل الشريان الاقتصادي الأهم لإيران، حيث تُعدّ المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وتستوعب الجزء الأكبر من صادراته النفطية رغم القيود الدولية المفروضة عليه. 

وتشير تقديرات إلى أن بكين تستحوذ على نسبة كبيرة من صادرات إيران النفطية وغير النفطية، ما يجعلها عاملًا حاسمًا في قدرة طهران على الصمود اقتصاديًا أمام العقوبات الغربية.

كما تؤكد دراسات صادرة عن مؤسسات رقابية أمريكية أن الصين لا تكتفي بالشراء، بل تشارك في بناء شبكات مالية وتجارية بديلة تسمح لإيران بتجاوز النظام المالي العالمي المرتبط بالدولار، عبر آليات مقايضة وتمويل غير تقليدية وشركات وسيطة.

الرد على العقوبات الأمريكية على طهران

وكانت بكين قد فعلت ردا على العقوبات الأمريكية على طهران، حيث أصدرت الصين أوامرها لمصافي النفط التي تشتري النفط الخام من طهران بعدم الامتثال للعقوبات الأمريكية المفروضة على النفط الإيراني أو تطبيقها.

وفعّلت وزارة التجارة الصينية، لأول مرة، قانونًا صدر عام 2021 يحمي المصالح الصينية من القوانين والإجراءات الأجنبية. وذكرت وسائل الإعلام الرسمية أن هذه الخطوة "تستغل قوة سيادة القانون لمواجهة ما يُسمى بالولاية القضائية الممتدة للولايات المتحدة"، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.


وفي ذات السياق تُصعّد وزارة الخزانة الأمريكية ضغوطها على ما يُسمى بمصافي التكرير المستقلة الصغيرة في الصين التي لا تزال تستورد النفط الخام والمنتجات البترولية الإيرانية. وقد فرضت عقوبات على خمس من هذه المصافي، كان آخرها في أواخر أبريل/نيسان، مستهدفةً إحدى أكبر عملاء إيران، وهي شركة هنغلي للبتروكيماويات، التي اشترت نفطًا خامًا بمليارات الدولارات.

وصرّح وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، السبت، بأن شراء الصين للنفط الخام الإيراني يُعدّ دعماً للإرهاب، وحثّ بكين على تكثيف الجهود الدبلوماسية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنقل النفط والغاز، والذي ظلّ مغلقاً فعلياً منذ بدء الحرب.

بنية موازية للعقوبات الغربية

تتجاوز العلاقة بين بكين وطهران حدود التجارة التقليدية، إذ تشير تقارير بحثية إلى أن الصين باتت جزءًا من منظومة أوسع تُساعد دولًا خاضعة للعقوبات، مثل إيران، على إعادة بناء قنوات تجارية ومالية خارج الهيمنة الأمريكية.

وتتضمن هذه المنظومة: استخدام شركات وسيطة في آسيا وهونغ كونغ، ترتيبات مقايضة (نفط مقابل بنية تحتية أو سلع صناعية) والتعامل مع بنوك صينية أصغر أقل عرضة للعقوبات

هذه الآليات، وفق تقارير بحثية، تعزز قدرة إيران على تصدير النفط واستيراد التكنولوجيا رغم القيود الغربية.

موقف سياسي صيني أكثر جرأة

سياسياً، تتبنى الصين موقفاً متزايد الصلابة في مواجهة العقوبات الأمريكية على إيران. فقد أعلنت بكين في أكثر من مناسبة رفضها ما تسميه “الإكراه الأحادي”، ودعمت إنهاء العقوبات الأممية المفروضة على طهران، معتبرة أن الضغط الغربي يعقّد الحلول الدبلوماسية.

كما أظهرت التطورات الأخيرة أن الصين بدأت تتخذ خطوات مباشرة لرفض الالتزام بالعقوبات الأمريكية في بعض الحالات، عبر توجيهات داخلية لقطاعها المالي بعدم الامتثال لإجراءات واشنطن ضد شركات تتعامل مع النفط الإيراني.

من إيران إلى روسيا وكوريا الشمالية: محور اقتصادي مضاد

لا تقتصر هذه الديناميكية على إيران، إذ تشير تقارير أمريكية إلى أن الصين باتت لاعبًا رئيسيًا في دعم شبكات التفاف على العقوبات تشمل أيضًا روسيا وكوريا الشمالية، عبر توفير منافذ تجارية وتقنية تقلل من تأثير العزلة الاقتصادية الغربية.

هذا الدور يجعل من الصين، بحسب محللين، “مركز ثقل اقتصادي بديل” في النظام الدولي، قادر على إضعاف فعالية العقوبات بوصفها أداة سياسية تقليدية للولايات المتحدة.

بداية الخروج الصيني من الأزمات العالمية؟

يرى مراقبون أن السياسة الصينية باتت تتجه نحو نموذج جديد في إدارة الأزمات الدولية، يقوم على تجنب التدخل العسكري المباشر، والاستثمار في النفوذ الاقتصادي طويل الأمد
وتوسيع مبادرة “الحزام والطريق” كأداة نفوذ عالمي

وفي هذا السياق، تتوسع مشاريع الصين الدولية بشكل قياسي، مع إعادة هيكلة مبادرة “الحزام والطريق” لتعزيز النفوذ الاقتصادي بعيد المدى، ما يعزز حضورها في دول الجنوب العالمي ويقلل من فعالية الضغط الغربي.

تجنب الإلتزام المباشر

لكن في المقابل، لا تزال بكين تتجنب الالتزام الأمني المباشر مع إيران، ما يعكس سياسة “الانخراط المحسوب” بدل التحالف العسكري الكامل.

في النهاية لا يمكن القول إن الصين تنخرط في “تمرد صدامي” مباشر ضد العقوبات الأمريكية، لكنها في المقابل: تبني اقتصادًا موازيًا للعقوبات، وتعزز شبكات التجارة غير الغربية
وتستخدم أدوات مالية بديلة تقلل من تأثير النظام الأمريكي.

هذا التحول لا يعني انسحابًا صينيًا من أزمات العالم، بل يعكس إعادة تموضع تدريجية تجعل بكين لاعبًا أقل التزامًا بالمنظومة الغربية وأكثر تأثيرًا في تشكيل بدائلها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء