فك أسر لويس التاسع بعد هزيمته بالمنصورة.. كيف أسر المصريون ملك فرنسا؟
في مثل هذا اليوم، 7 مايو عام 1250م، شهدت مصر واحدة من أهم اللحظات الفارقة في تاريخها العسكري والسياسي، بعدما تم فك أسر ملك فرنسا لويس التاسع عقب احتجازه في دار ابن لقمان بمدينة المنصورة، إثر الهزيمة القاسية التي تعرضت لها الحملة الصليبية السابعة على الأراضي المصرية، في واحدة من أبرز الوقائع التي أثبتت قدرة المصريين على التصدي للغزاة وإفشال مخططاتهم العسكرية.
الحملة الصليبية السابعة ومحاولة احتلال مصر
جاءت الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع ردًا على نجاح المسلمين في استعادة مدينة القدس عام 1244م، حيث اعتبر الأوروبيون أن استعادة النفوذ الصليبي في الشرق لن تتم إلا عبر السيطرة على مصر، باعتبارها القلب السياسي والعسكري للعالم الإسلامي ولشرق الأوسط.
قاد لويس التاسع حملة عسكرية ضخمة انطلقت من فرنسا باتجاه السواحل المصرية، واستطاعت قواته احتلال مدينة دمياط في البداية دون مقاومة كبيرة، الأمر الذي شجع الحملة على التقدم نحو الداخل المصري أملاً في إسقاط الدولة الأيوبية وإخضاع البلاد بالكامل للحكم الصليبي.
لكن مع اقتراب القوات الفرنسية من المنصورة، واجهت مقاومة شرسة من الجيش المصري والأهالي، خاصة بعد إعادة تنظيم القوات المصرية بقيادة القادة العسكريين في ذلك الوقت، لتتحول المعركة إلى نقطة فاصلة في تاريخ الحملات الصليبية.
معركة المنصورة وهزيمة الجيش الفرنسي
شهدت مدينة المنصورة معارك عنيفة بين الجانبين، تمكن خلالها المصريون من استدراج القوات الصليبية إلى داخل المدينة، حيث تعرض الجيش الفرنسي لخسائر ضخمة في الأرواح والعتاد، وفقد السيطرة على خطوطه العسكرية.
وتعرضت قوات لويس التاسع لحصار شديد، بينما انتشرت الفوضى بين الجنود الصليبيين الذين لم يتمكنوا من التعامل مع طبيعة القتال داخل المدينة، وهو ما أدى في النهاية إلى انهيار الحملة بالكامل.
وفي السادس من أبريل 1250م، نجح المصريون في أسر لويس التاسع نفسه مع عدد كبير من قادته وجنوده، في حدث غير مسبوق تمثل في وقوع ملك أوروبي كبير أسيرًا لدى المصريين أثناء إحدى الحملات الصليبية.
نقل لويس التاسع إلى دار ابن لقمان
تم نقل الملك الفرنسي الأسير إلى دار ابن لقمان، وهي دار شهيرة بمدينة المنصورة تحولت لاحقًا إلى رمز تاريخي لهذا الانتصار.
ووصف المؤرخ ابن تغري بردي مشهد نقل لويس التاسع وصفًا تفصيليًا، مؤكدًا أن المصريين خرجوا للاحتفال بهذا الانتصار الكبير، حيث كانت الطبول تُقرع والمراكب تحيط بالأسرى، فيما اصطف الأهالي على ضفتي النيل في أجواء من الفرحة العارمة.
وأشار ابن تغري بردي إلى أن ذلك اليوم كان من الأيام العظيمة المشهودة في تاريخ مصر، بعدما شاهد الناس ملك فرنسا أسيرًا يُقاد مع جنوده عقب فشل حملته العسكرية.
خسائر الحملة الصليبية وفدية إطلاق سراح الملك
تحدث عدد من المؤرخين عن الخسائر الضخمة التي تكبدتها الحملة الصليبية السابعة خلال معارك المنصورة، حيث قُتل الآلاف من الجنود الفرنسيين، وغرق عدد كبير منهم أثناء محاولات الفرار عبر النيل، بينما وقع الباقون في الأسر.
ووفقًا لما ورد في كتاب “النضال الشعبي ضد الحملة الفرنسية”، فإن القوات المصرية تمكنت من القضاء على جانب كبير من الجيش الصليبي وأسر ملكهم، وهو ما اعتُبر انتصارًا تاريخيًا للمصريين في مواجهة واحدة من أقوى الحملات الأوروبية آنذاك.
وبعد مفاوضات طويلة، وافق لويس التاسع على دفع فدية ضخمة بلغت نحو 800 ألف بيزنط مقابل إطلاق سراحه وسراح الأسرى الصليبيين، كما تعهد بالإفراج عن الأسرى المسلمين لدى قواته، والالتزام ببنود الصلح التي أُبرمت بين الطرفين.
نهاية لويس التاسع ومحاولته غزو الشرق مجددًا
رغم الهزيمة الثقيلة التي تعرض لها في مصر، لم يتخلَّ لويس التاسع عن حلمه بقيادة حملة صليبية جديدة، فقام بعد سنوات بتنظيم حملة ثامنة اتجهت هذه المرة إلى تونس عام 1270م، على أمل اتخاذها نقطة انطلاق نحو الشرق.
لكن الحملة الجديدة انتهت سريعًا بعد إصابة الملك الفرنسي بمرض شديد أدى إلى وفاته داخل الأراضي التونسية، لتنتهي بذلك مسيرة أحد أشهر قادة الحملات الصليبية في التاريخ الأوروبي.