تُعد كلمات قصيدة "طلع الفجر ولاح" القصيرة المغنَّاة، من كلمات الأغاني التراثية الشهيرة، وهي تُعرف غالباً بـ "يا زمان الوصل"، وتنتمي إلى نوع السهل الممتنع الذي اشتهر به الشاعر أحمد رامي (1892 – 1981)؛ كلمات بسيطة لكنها تحمل حنينًا جارفًا.
القصيدة – على قصرها - هي "نوستالجيا" أو حنين إلى زمن الطفولة والشباب الباكر (سويعات الصِّبا). الشاعر لا يتحدث عن مكان، بل عن زمان كان يجمع بين البراءة والجمال. وجملة (طلع الفجر ولاح) تعبِّر عن بدايات الحياة المشرقة والمليئة بالأمل.
وعندما نقارن بين جملة "طلعَ الفجرُ ولاح" (1926) والبيت "وإذا النُّورُ نَذِيرٌ طَالعٌ .. وإِذا الفجرُ مُطِلٌّ كالحَرِيقْ" في قصيدة "الأطلال" (1966) فإننا نقارن بين "فجر" رحلة أم كثلوم و"ذروة" نضجها؛ حيث يفصل بينهما 40 عامًا من الخبرة الوجودية والصوتية.
في "طلع الفجر" (الفتنة البكر)، صوت أم كلثوم كان "خارجيًّا" ومنطلقًا؛ العُرب فيه سريعة، رشيقة، ومندفعة. والفتنة هنا هي حالة "دهشة صبية"، صوتها يطارد النغمات بمرونة مذهلة تعكس حيوية الجسد والروح في سن العشرينيات. وفي "الأطلال" نجد (الفتنة الموجعة) والصوت أصبح "داخليًّا" وعميقًا؛ العُرب لم تعد زينة، بل أصبحت "آهات" فلسفية. الفتنة هنا ليست انبهارًا بالوصل، بل هي صمود أمام "أطلال" هذا الوصل. الصوت هنا لا يطارد النغمة، بل "يحتويها" ويحملها بوقار السنين.
الماضي في قصيدة رامي هو "زمان الوصل" الذي نرحب به (أهلاً وسهلاً). والذكرى هنا استعادة سعيدة لزمن الخلان والصبا. الفلسفة هي "الاستمتاع باللحظة". والماضي في "الأطلال" هو "قيد" نطلب التحرر منه (أعطني حريتي). الذكرى هنا مواجهة دامية مع الفقد. الفلسفة هي "تحليل الألم" والوقوف على بقايا الحب بشموخ وانكسار في آن واحد.
في عام 1926، كان "الفجر" هو الرمز؛ وهو زمن البدايات والأمل والضوء الذي "لاح" ليبشر بيوم جديد. أما في عام 1966، فقد أصبحت "الأطلال" هي الرمز؛ وهي بقايا ما بعد الغروب، حيث لا يوجد ضوء جديد، بل تأمل في "ما كان". الزمان في الأطلال "محبس" (في حبس من ذكرياتي)، بينما في "طلع الفجر" كان "ملعبًا" (بين خلان وراح).
ومن المدهش أن رامي هو من كتب النص الأول، وشارك مع أم كلثوم في صياغة النص الثاني. فرامي كان رفيق درب أم كلثوم وصائغ وجدانها. في البداية، كتب لها ما يناسب "خفة روحها"؛ فكانت الكلمات قصيرة، رشيقة، ومبهجة. وفي النهاية، (عدّل لها) من شعر إبراهيم ناجي (1898 – 1953) ما يناسب "ثقل تاريخها"؛ فصارت الكلمات عبارة عن "حكم" ومواقف وجودية كبرى.
في نهاية القصيدة الأولى نسمع "كلُّنا فيك افتُتن"، وهي قفلة "عمودية"؛ تصعد للأعلى لتعلن السعادة والذهول. وفي الثانية (كان صرحًا من خيالٍ فهوى)، القفلة "أفقية"؛ تمتد بعمق لتعبر عن الارتطام بالواقع والقبول بالقدر.
ونخلص إلى أن أم كلثوم انتقلت من "الافتتان بالزمان" (كمن يرى الفجر لأول مرة) إلى "الترفُّع على الزمان" (كمن روّض الدهر وخبر تقلباته). في الأولى كانت تغني للحب الذي يبدأ، وفي الثانية غنَّت للحب الذي "خلُد" رغم انتهائه.
وقد لاحظنا أن الفجر في القصيدتين، يُمثل نقيضين شعوريين؛ فهو في الأولى رمز للبهجة والوصل، بينما في الثانية نذير باليقظة المؤلمة ونهاية الأحلام.
الفجر في القصيدة الأولى يرمز إلى البدايات السعيدة وزمن الوصل. وهو يرتبط بـ "سويعات الصبا" والأناشيد، وهو فجر يُحتفى بقدومه كونه يجمع "الخلان" ويُنهي وحشة الانتظار، فنشعر بتفاؤل وحب مطلق، حيث ترحب الكلمات بالزمان ("يا زمان الوصل أهلاً") وتصفه بأنه "أحلى وأشهى وأغلى".
أما فجر "الأطلال" فيمثل الصدمة واليقظة القاسية على واقع الفراق. ويصفه إبراهيم ناجي بأنه "نذير"، و"كالحريق"، فهو النور الذي يبدد "خيال السكارى" ويُنهي سكرة الأحلام ليعيد العاشق إلى حقيقة أن (الأحباب كلٌ في طريق). فنشعر بألم وحسرة؛ فالفجر هو اللحظة التي يكتشف فيها الشاعر ضياع الحب وتحوله إلى "أطلال"، حيث يتمنى لو أن هذه الإفاقة لم تحدث (ليت أنا لا نفيق).
استخدم الملحنان أحمد صبري النجريدي (1900 – 1969)، ورياض السنباطي (1906 – 1981)، المقامات الموسيقية لتجسيد التناقض الصارخ بين "فجر الوصل"، و"فجر الفراق"، حيث اعتمدت الأولى على مقامات توحي بالثبات والبهجة، بينما وظفت الثانية مقامات الشجن والحدة الدرامية. وقد اختار النجريدي مقام "الرست" (ملك المقامات) ليعبر عن الفرح الوقور والاستقرار. فالفجر هنا هو لحظة طمأنينة واجتماع بالخلان، لذا جاء اللحن بسيطًا، منسابًا، ومباشرًا في تعبيره عن "زمن الوصل". بينما انتقل السنباطي في مقطع (وإذ الفجر مطل كالحريق) إلى مقامات حادة ودرامية، مستخدماً تقلبات بين النهاوند والرست بأسلوب "الجوابات" العالية. وقد استخدم السنباطي مقام الصَّبا في الأبيات التي تسبق الفجر مباشرة (يا حبيباً زرت يوماً أيكه) ليغلف الجو بحزن عميق وشجن يمهد للصدمة. وعند وصوله لبيت (وإذا الفجر مطل كالحريق)، ترتفع طبقة الصوت لتصل إلى ذروة التعبير (الجواب)، مما يجسد "لسعة" النور الذي أحرق أحلام السكارى (هل رأى الحب سكارى مثلنا) وبَّدد ليلهم الصديق.
وقد شهد صوت أم كلثوم تحولاً مذهلاً بين القصيدتين، من "المطربة الصاعدة الواعدة" التي تستعرض إمكانياتها، إلى "سيدة الغناء العربي" التي تطوع الصوت لخدمة الدراما الشعرية. كان صوتها في المرحلة الأولى يتسم بالنقاء الفطري الحاد والقدرة العالية على "الزخرفة" (والعُرب) والمساحات العالية جدًّا. واعتمدت على الاستعراض التطريبي؛ فكانت تنتقل بين العُرب الموسيقية والقفلات المعقدة لتثبت تمكنها من المقامات الشرقية، وهو ما يناسب فجر "الوصل" المليء بالحيوية والنشاط. وتميزت بنَفَس طويل جداً مكَّنها من أداء الجمل اللحنية المنسابة دون انقطاع. ومع تقدم العمر، اكتسب صوتها عمقًا ورخامة (طبقة القرار أصبحت أقوى)، وتخلى عن بعض الحدة لصالح القوة والوقار.
لقد تحوَّل الأداء من "التطريب" إلى "التعبير الدرامي". ففي "الأطلال"، لم تكن أم كلثوم تغني فقط، بل كانت تمثل الكلمة بصوتها. صرختُها في بيت (وإذ الفجر مطلٌّ كالحريق) ليست مجرد استعراض قوة، بل هي تجسيد للألم والصدمة. لقد أصبحت تُدرك متى "تقتصد" في العُرب، ومتى تفجر طاقتها الصوتية في مواضع الذروة، مما جعل أداءها لفجر "الفراق" أكثر تأثيرًا في الوجدان.
في "طلع الفجر"، صوت أم كلثوم كان كـ "الشلال"؛ يندفع بقوة وبريق ليحتفي باللقاء. وفي "الأطلال"، صوتها أصبح كـ "البحر"؛ عميق، هادئ في مواضع، وهائج في مواضع أخرى، يجسد مأساة الذكريات، ومن الغريب أن القصيدتين من بحر شعري واحد؛ هو "بحر الرَّمَل" الذي يعتمد على تكرار التفعيلة (فاعلاتن)، ولكن القصيدة الأولى من مجزوئه لتناسب الخفة والرشاقة والدهشة، والثانية من كاملِه لتناسب العمق والهدوء من ناحية ثم الثورة والهيجان من ناحية أخرى.