رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

زلزال في البنتاجون وهيجسيث معزول.. تفكيك «حرس الدستور» وسقوط الرؤس الكبيرة

هيجسيث وزير الدفاع
هيجسيث وزير الدفاع الأمريكي

ظلت وزارة الدفاع الأمريكية لعقود "قدس الأقداس"، التي لا تمسها رياح الاستقطاب السياسي، إلا أن أروقة "البنتاجون" اليوم وفي ظل وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، تشهد تحولاً دراماتيكياً يعيد رسم ملامح القيادة العسكرية في الولايات المتحدة، بحسب صحيفة الجارديان.

لم يعد الأمر مجرد تغيير في الوجوه، بل هو زلزال بنيوي يصفه المطلعون بأنه محاولة لتفكيك إرث "حرس الدستور" واستبداله بنخبة تدين بالولاء الشخصي المطلق. 

في هذا المشهد المتوتر، يبرز وزير الدفاع كشخصية محورية تعيش عزلة متزايدة، بعد أن أطاح بكتلة من القادة الذين كانوا يمثلون "البالغين في الغرفة"، أولئك الذين وقفوا تاريخياً كحائط صد أخير ضد الاندفاعات المتهورة التي قد تهدد الأمن العالمي، خاصة في ظل امتلاك الرئيس صلاحية الوصول المنفرد للرموز النووية.

تطهير البنتاجون


منذ اللحظة التي استعاد فيها دونالد ترامب مقعد الرئاسة في يناير من العام الماضي، بدأت ملامح استراتيجية جديدة تتشكل داخل وزارة الدفاع تحت قيادة بيت هيجسيث، هذا الوزير الصاخب، القادم من خلفية إعلامية في قناة "فوكس نيوز"، لم يخفِ أبداً نيته في تطهير المؤسسة مما يصفه بالأخلاق العسكرية "المستنيرة" (Woke).

 شن هيجسيث حملة شعواء أسفرت حتى الآن عن فصل أو إجبار 24 جنرالاً وقائداً من الرتب العليا على التقاعد المبكر والقسري، والمثير للريبة في هذه القرارات هو غياب أي مبررات تتعلق بالكفاءة المهنية أو سجلات الأداء العسكري؛ بل إن المعطيات تشير إلى أن 60% من هؤلاء القادة المُبعدين هم من الأمريكيين ذوي البشرة السمراء أو من النساء. 

هذا النهج يراه المحللون ترجمة ميدانية للهجوم الذي تشنه الإدارة الحالية ضد سياسات "التنوع والإنصاف والشمول" (DEI)، واعتبارها عائقاً أمام القوة العسكرية.

سقوط الرؤوس الكبيرة


لم تكن هذه الإقالات مجرد إجراءات إدارية، بل استهدفت قامات عسكرية مشهود لها عالمياً، مثل الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش، الذي وجد نفسه خارج الخدمة الشهر الماضي. 

وتؤكد التقارير أن سقوطه جاء نتيجة لموقف مبدئي، حيث رفض الانصياع لضغوط هيغسيث الرامية لاستبعاد أربعة ضباط كبار (رجلين أسودين وامرأتين) من قوائم الترقيات المستحقة، وهو ما اعتُبر تمرداً على الإرادة السياسية للوزير.

الجنرال سي كيو براون

 موجة "الزحف" نحو القيادات بدأت في فبراير من العام الماضي بالإطاحة براون من منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة وهو طيار متميز وأول رجل أسود يقود القوات الجوية، كان يمثل صمام الأمان في العلاقة بين العسكر والمدنيين.

دان كاين والترقيات المسيسة

 تم استبدال براون بالجنرال دان كاين، وهو ضابط كان قد تقاعد برتبة ثلاث نجوم، وتم استدعاؤه وترفيعه بشكل متسارع للحصول على النجمة الرابعة المطلوبة للمنصب، هذا التعيين أثار شكوكاً واسعة حول مؤهلات كاين وقدرته على الوقوف في وجه الضغوط السياسية مقارنة بأسلافه.

الأميرال ليزا فرانشيتي، حيث لم تشفع لها مكانتها التاريخية كأول امرأة تتولى رئاسة العمليات البحرية، حيث كانت ضمن أهداف موجة التطهير التي طالت الرموز النسائية القوية في الجيش.

عزلة الوزير وجنون الارتياب


داخل البنتاجون، تُرسم صورة لوزير يعيش في "فقاعة" من العزلة والارتباك، هيجسيث، الذي عُرف بمواقفه العدوانية تجاه الصحافة، بات يحيط نفسه بدائرة ضيقة جداً تفتقر للخبرة العسكرية العميقة، مفضلاً الاستعانة بالأقارب والأصدقاء:

المستشارون المقربون حيث عين شقيقه فيل هيجسيث كمستشار رفيع المستوى، واستعان بالمحامي تيم بارلاتور، والجندي السابق ريكي بوريا.

 

البارانويا السياسية

 يُقال إن هيجسيث يعاني من قلق دائم (جنون ارتياب) من احتمالية إقالته من قبل ترامب، خاصة وأن منتقديه يذكرونه دوماً بأن خبرته كضابط مشاة في الحرس الوطني لا تمنحه الكفاءة اللازمة لإدارة وزارة تضم 2.1 مليون عسكري و770 ألف مدني.

حضور أسري غير مألوف في البنتاجون حيث فوجئ موظفو الوزارة بحضور زوجته جينيفر (منتجة فوكس نيوز السابقة) للاجتماعات الرسمية، حيث تجلس في الخلف، مما يعكس حالة من عدم الثقة في الطاقم الإداري التقليدي للوزارة.

"مشروع 2025"


بينما يترك هيجسيث التفاصيل الإدارية واليومية للملياردير ستيف فاينبرج(نائب الوزير)، فإنه يتفرغ تماماً للقضايا التي تخدم معتقداته الأيديولوجية. ويشمل ذلك إعادة صياغة نظام القساوسة العسكريين ليتماشى مع رؤيته المسيحية المعلنة، التي يختصرها في دعاء "المسيح هو الملك".

ويرى خبراء مثل اللواء المتقاعد بول إيتون أن ما يحدث هو تطبيق حرفي لـ "مشروع 2025"، المخطط الذي وضعته "مؤسسة التراث" لإنشاء قوات مسلحة نقية أيديولوجياً. 

يحذر إيتون من أن هذا النهج يكسر تماسك الجيش ويجعل الضباط يخشون قول الحقيقة للسلطة (Speak truth to power)، خوفاً من أن تُعتبر آراؤهم "تقدمية" فتتم الإطاحة بهم.

 شبح الحرب والجرائم الدولية


 استعداد الجيش لمقاومة الأوامر غير القانونية بات على المحك. فمع تهديدات ترامب الأخيرة بتدمير البنية التحتية لإيران، وإشارته إلى "موت حضارات كاملة"، يسود القلق من أن القيادة الحالية  وعلى رأسها دان كاين قد لا تملك السلطة الأخلاقية أو الرغبة في مقاومة هذه الدوافع الجامحة، كما فعل الجنرال مارك ميلي في أعقاب أحداث 6 يناير.

يختتم العقيد السابق كيفن كارول المشهد بالتحذير من أن غياب الاعتراض من كبار المسؤولين العسكريين على تصريحات مثل "لا هوادة ولا رحمة" يشكل تهديداً طويل الأمد لقيم وأخلاقيات القوة العسكرية الأمريكية، ويضع الجنود العاديين في مأزق أخلاقي وقانوني قد يجر البلاد إلى منزلقات لا يمكن الرجوع عنها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء