رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صدام حسين.. إبريل بين الميلاد والسقوط

صدام حسين
صدام حسين

في 28 أبريل، ارتبط اسم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين بيومٍ يحمل مفارقة تاريخية لافتة؛ إذ كان هذا التاريخ لسنوات طويلة مناسبة رسمية كبرى تُنظم خلالها الاحتفالات في عموم العراق، وترفع فيه الشعارات التي تمجد القائد، قبل أن يتحول لاحقًا إلى مجرد ذكرى تستدعي نهاية درامية لرجل حكم البلاد بقبضة حديدية. 

فقد اعتاد النظام العراقي خلال عقود حكمه أن يجعل من عيد ميلاد صدام حدثًا وطنيًا، يمتد لعدة أيام، وتشارك فيه مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام، بل وحتى البعثات الدبلوماسية في الخارج، في مشهد يعكس حجم المركزية التي تمتع بها في بنية النظام السياسي.

لكن هذا المشهد تغير جذريًا مع سقوطه؛ إذ انتهت تلك الاحتفالات الصاخبة إلى عزلة كاملة، حين قضى أحد أعياد ميلاده الأخيرة داخل السجن، بعيدًا عن السلطة والأضواء، في مفارقة تختصر مسارًا كاملًا من الصعود والهيمنة ثم الانهيار، وتظهر هذه اللحظة الفارقة كيف يمكن للسلطة المطلقة أن تتحول في وقت قصير إلى حالة من التجريد الكامل، حيث لا يبقى من المشهد سوى الذاكرة والسرديات المتباينة حول الرجل وإرثه.

من النشأة القاسية إلى صعود النفوذ

ولد صدام حسين عام 1937 في بيئة اجتماعية صعبة اتسمت بالفقر وعدم الاستقرار، وهو ما انعكس على تكوينه المبكر وشخصيته لاحقًا. انتقل في سنواته الأولى بين بيت خاله في بغداد وبيئة أسرية مضطربة، قبل أن يجد طريقه إلى العمل السياسي عبر انضمامه إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1957، وهي الخطوة التي شكلت نقطة التحول الأساسية في مسيرته، منذ تلك اللحظة، بدأ صعوده داخل دوائر العمل الحزبي، مدفوعًا بطموح واضح وقدرة على بناء شبكات النفوذ.

ارتبط اسمه مبكرًا بالعنف السياسي، خاصة بعد مشاركته في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم عام 1959، وهي العملية التي فشلت لكنها رسخت حضوره داخل الحزب، ودفعته إلى الهروب خارج البلاد قبل أن يعود مجددًا مع تحولات المشهد السياسي في العراق. ومع انقلاب 1968، دخل صدام مرحلة جديدة من التمكين، حيث أصبح أحد أبرز رجال السلطة، وتدرّج داخل مؤسسات الدولة حتى صار الرجل الأقوى فعليًا قبل أن يتولى الرئاسة رسميًا عام 1979.

حكم طويل بين الهيمنة والصراعات الكبرى

تميزت فترة حكم صدام حسين بتعقيداتها الشديدة، إذ جمع فيها بين بناء دولة مركزية قوية من جهة، والانخراط في صراعات إقليمية ودولية كبرى من جهة أخرى، فقد دخل العراق في حرب طويلة مع إيران استمرت ثماني سنوات، واستنزفت موارد الدولة وأثرت بعمق في المجتمع العراقي، قبل أن تتبعها أزمة جديدة تمثلت في غزو الكويت عام 1990، وهو القرار الذي أدخل البلاد في مواجهة مباشرة مع تحالف دولي واسع، وأدى إلى تحولات جذرية في موقع العراق على الساحة الدولية.

وعلى الصعيد الداخلي، ارتبطت تلك المرحلة بملفات شائكة تتعلق بالقمع السياسي واستخدام القوة في مواجهة المعارضين، فضلًا عن حملات عسكرية وأمنية مثيرة للجدل، وهو ما جعل صورة صدام حسين محل انقسام حاد؛ بين من يراه زعيمًا قويًا حافظ على هيبة الدولة، ومن يعتبره مسؤولًا عن انتهاكات جسيمة وتكلفة بشرية وسياسية باهظة.

السقوط والنهاية الدرامية

جاءت لحظة التحول الكبرى في عام 2003، حين سقط النظام العراقي عقب الغزو الأمريكي، في مشهد جسد نهاية مرحلة كاملة من تاريخ العراق الحديث، وأصبح إسقاط تمثال صدام في بغداد رمزًا بصريًا لانهيار السلطة التي استمرت لعقود، قبل أن يدخل بعدها في مرحلة اختفاء انتهت بإلقاء القبض عليه في ديسمبر من العام نفسه.

خضع صدام لمحاكمة طويلة اتهم خلالها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وظل متمسكًا بمواقفه حتى اللحظات الأخيرة. وفي 30 ديسمبر 2006، نُفذ حكم الإعدام فيه، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر المسيرات السياسية إثارة للجدل في المنطقة، تاركًا خلفه إرثًا معقدًا لا يزال موضع نقاش وتحليل حتى اليوم، بين السياسة والتاريخ والذاكرة الجماعية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء