سهام الزعيري: اليوم العالمي للكتاب امتداد لهوية مصر وحضارتها العريقة|خاص
قالت الكاتبة والقاصة الدكتورة سهام الزعيري إن مصر قد نقشت الكتاب المصور بالحروف الهيروغليفية والفن المتقن، وسجلت على جدرانها منذ آلاف الأعوام علومًا وثقافةً وأدبًا وفنًا، مؤكدة أن مصر تمثل تاريخًا يسبق التاريخ نفسه.
اليوم العالمي للكتاب
وأضافت في حديثه لـ"إيجبتك": أنه عند الحديث عن المناسبات الحديثة للأجيال الجديدة، لا بد من الربط بين الهوية والحضارة المصرية بوعي جمعي، وبين مناسبات ومستجدات العصر، حتى نستطيع أن نرسّخ الأجيال الجديدة على أرض صلبة من الانتماء والفخر، ونمنحهم ارتباطًا قويًا بهوية أصيلة.
وأوضحت أن الدوائر العلمية تحتفي في الثالث والعشرين من أبريل باليوم العالمي للكتاب، وهو التاريخ الذي يوافق ذكرى وفاة رموز الأدب الأوروبي مثل وليم شكسبير، إلا أن أجيالنا في حاجة ملحة إلى معرفة أن للكتب وخزاناتها وحكاياتها في تاريخنا الإسلامي شأنًا عظيمًا، استلهم منه الأوروبيون أنفسهم أسس نهضتهم.
وأشارت إلى أنه في تراثنا نجد أكبر كتاب عرفته البشرية، وهو "كتاب الفنون" لابن عقيل الحنبلي الذي بلغ ثمانمائة مجلد، كما برز في تاريخنا عدد من أكثر علماء الأرض إنتاجًا وتصنيفًا، مثل الإمام الطبري، وابن الملقن، والسيوطي، وابن حزم، وابن تيمية، وابن الجوزي.
خزانات الكتب
وتابعت أن الحديث عن خزانات الكتب يقودنا إلى مكتبة عروة بن الزبير في القرن الأول الهجري بالمدينة المنورة، والتي تُعد من أوائل المحاولات الجادة في تاريخنا لاقتناء الكتب، وقد حزن عروة حزنًا شديدًا على احتراقها خلال وقعة الحرة سنة 63هـ، حتى قال إن وجودها كان أحب إليه من أهله وماله.
كما اشتهرت في مكة مكتبة عبد الله بن عباس التي آلت إلى موسى بن عقبة الأسدي، وقدر حجمها بحمل بعير، إلى جانب خزانة محمد بن شهاب الزهري في الرصافة التي ضمت أعدادًا هائلة من الكتب، حتى قالت له زوجته: "والله لهذه الكتب أشد عليّ من ثلاث ضرائر".
وأضافت أن التاريخ حفل بخزانات أخرى ثرية، منها خزانة ابن جريج بمكة في القرن الثاني، وخزانة أبي عمرو التميمي أحد القراء السبعة، وخزانة عبد الحكم الجمحي، مشيرة إلى أن خزانات الدولة بدأت في عهد معاوية بن أبي سفيان، حيث أسس "بيت الحكمة" في دمشق، ثم طوّرها الوليد بن عبد الملك، واهتم الخليفة عمر بن عبد العزيز بالكتب العلمية في أنطاكية، حيث أنشأ فيها معهدًا للطب.
العصر العباسي وازدهار المكتبات
وأكدت أن العصر العباسي شهد ذروة ازدهار المكتبات، حيث كانت خزانة خلفاء بني العباس من أعظم ثلاث خزائن في التاريخ، واشتهر بيت الحكمة في عهد هارون الرشيد والمأمون، ونافسته خزانات عضد الدولة البويهي وسابور، وكذلك مكتبات المستنصر والمستعصم، مشيرة إلى أن في مصر، فقد كان كافور الإخشيدي من أوائل من حاولوا إنشاء دور مستقلة لتخزين الكتب، ثم جاءت دار الحكمة الفاطمية التي بدأت في عهد العزيز بالله وتطورت في عهد الحاكم بأمر الله، وهي المكتبة التي تنافس المؤرخون في وصف نفائسها، قبل أن تنتقل مقتنياتها إلى القاضي الفاضل وسط جدل تاريخي حول دور صلاح الدين.
الأندلس وعصر الكتب
وأوضحت أن الأندلس قدّمت نموذجًا فريدًا في حب الكتب، حيث عُرف الخليفة الحكم المستنصر بولعه الشديد بالقراءة حتى لُقب بـ"دودة الكتب"، فأسس خزانة ضخمة في قرطبة، وسبقه عبد الرحمن الداخل بمكتبته الأموية، وكان ملوك أوروبا يهدون الخليفة الناصر كتبًا نادرة تقربًا إليه، مثل كتاب ديسقوريدس في الطب، مؤكدة أن بلغ عدد مكتبات الأندلس نحو سبعين مكتبة، ولم تكن حكرًا على الحكام، إذ امتلك القاضي ابن فطيس مكتبة ضخمة استغرق ورثته عامًا كاملًا لبيعها، حتى جاءت كارثة سقوط الأندلس، حين أمر الكاردينال سيسنيروس عام 1501 بحرق ستين ألف مخطوط من مكتبة الزهراء في غرناطة.
وأضافت أن العهد العثماني شهد بدوره نهضة في إنشاء المكتبات، حيث تأسست أول مكتبة علمية في عهد مراد الثاني، وازدهر هذا المجال في عهد محمد الفاتح الذي أنشأ مكتبة مجمع أبي أيوب الأنصاري ومكتبة قصر طوبار، كما حوّل مراد الثالث المكتبات إلى مراكز بحثية تطبيقية، وبرزت مكتبات السلاطين أحمد الثالث ومحمود الثاني، إلى جانب المكتبات السليمانية. ولم يقتصر الأمر على السلاطين، إذ أسس الوالي إسحاق باشا مكتبة كبرى لا تزال قائمة، كما أنشأ مصطفى باشا أول مكتبة مستقلة عن إدارة الدولة في إسطنبول عام 1678م، وامتد هذا الإرث العلمي إلى البلقان من خلال مكتبة خسرو بك.
تاريخ الاحتفال بالكتاب
واختتمت الزعيري حديثها لـ"إيجبتك": على أن العرب يمتلكون حقًا أصيلًا في الاحتفال بالكتاب، فقد أسهموا في تعليم العالم عبر علمائهم في الطب والفلك والهندسة والأدب وسائر العلوم، مشيرة إلى أن الشعر العربي ظل ديوان العرب الذي جمع بين القصة والرواية والمدح والذم والوصف، وكل أشكال التعبير الإبداعي، مؤكدة أن البرديات والنقوش الحجرية لدى المصري القديم كانت أول أشكال الكتب، قبل أن يُسطر التاريخ سطوره، ليبقى شاهدًا على عظمة المصري وأصالته وهويته، وأن اليوم العالمي للكتاب يمتد بجذوره الإنسانية إلى تاريخ عريق وحضارة ضاربة في عمق آلاف السنين.