وائل لطفي: الانفتاح الواسع مهد لظهور دعوات «الأصول الصافية»|فيديو
قال الكاتب الصحفي وائل لطفي، إن فهم عداء التيارات المتشددة للفنون لا يمكن فصله عن السياق التاريخي للحضارة الإسلامية وتطورها، مشيرًا إلى أن هذه الحضارة قامت في جوهرها على الانفتاح والتفاعل مع الثقافات المختلفة.
وجاء ذلك خلال حديثه في برنامج «مواجهات» الذي تقدمه الإعلامية معتزة مهابة، عبر منصة «إيجبتك»، حيث استعرض الخلفيات الفكرية لهذا الصراع.
وأوضح لطفي، أن الدول الإسلامية في عصورها الأولى، خاصة في فترات العصر الأموي والعصر العباسي، استفادت من إرث حضاري واسع، حيث تفاعلت مع الحضارتين الفارسية والبيزنطية، واستوعبت نظم الإدارة والعلوم والفنون، ما أسهم في بناء حضارة متعددة الروافد.
الانفتاح الحضاري أساس الإبداع
وأشار إلى أن الحضارة الإسلامية لم تنشأ في عزلة، بل اعتمدت على الترجمة والانفتاح، حيث انتقلت الفلسفة اليونانية عبر التراث الفارسي إلى المسلمين، ما ساعد على تشكيل قاعدة معرفية واسعة، ولفت إلى أن هذا التفاعل أنتج نماذج فكرية بارزة، مثل ابن رشد، الذي لعب دورًا محوريًا في شرح فلسفة أرسطو ونقلها إلى أوروبا.
وأضاف أن هذا الانفتاح انعكس أيضًا في تجربة الأندلس، حيث تعايشت ديانات وثقافات متعددة في إطار واحد، وهو ما كان نادرًا في العصور الوسطى، وأسهم في ازدهار الفنون والعلوم بشكل لافت.
بداية التحول نحو التشدد
وأوضح لطفي، أن هذا الانفتاح الواسع أدى في مرحلة لاحقة إلى ظهور تيارات دعت للعودة إلى ما وصفته بـ«الأصول الصافية»، نتيجة شعور بعض الفئات بحدوث اختلاط فكري، وأن هذه الدعوات ارتبطت ببدايات فكرية لدى شخصيات مثل أحمد بن حنبل، الذي دعا إلى التمسك بالنصوص وتبسيط الفهم الديني.
وأكد أن الفكرة في جوهرها لم تكن سلبية، إذ هدفت إلى تجنب التعقيد، لكن الإشكالية ظهرت عندما تم التركيز على المظاهر الشكلية بدلًا من القيم الجوهرية، ما أدى إلى تضييق مساحة التفكير والاجتهاد.
تحويل الدين إلى مظاهر شكلية
وأشار إلى أن بعض التيارات المتشددة ركزت على تفاصيل المظهر الخارجي، مثل اللباس والهيئة، بدلًا من التركيز على القيم الأخلاقية الأساسية، وأن هذا التحول ساهم في خلق حالة من الجدل داخل المجتمعات، حيث أصبح الحكم على الأفراد مرتبطًا بالمظهر أكثر من السلوك.
وأوضح أن هذا الاتجاه أدى إلى تراجع دور العقل والتفكير النقدي، مقابل تعزيز أنماط من التدين الشكلي، وهو ما انعكس على العديد من جوانب الحياة، بما في ذلك الفنون، التي أصبحت هدفًا مباشرًا لهذه الرؤية الضيقة.
الفن كأداة مقاومة فكرية
وأكد لطفي، أن الفن يمثل بطبيعته قوة مقاومة لهذا النمط من التفكير، لأنه يعزز التعددية ويفتح المجال أمام رؤى مختلفة. واستشهد بتجارب فنية بارزة، خاصة أعمال عادل إمام، التي واجهت التطرف بشكل مباشر وغير مباشر، سواء من خلال الكوميديا أو الدراما.
وأوضح أن الفنان لا يشترط أن يقدم أعمالًا مباشرة عن مواجهة الإرهاب ليؤدي هذا الدور، بل إن تقديم فن يعزز الحياة والإنسانية يعد في حد ذاته موقفًا مضادًا للتطرف، وأن عددًا من المبدعين، مثل وحيد حامد وأسامة أنور عكاشة، قدموا أعمالًا شكلت وعيًا جمعيًا في مواجهة هذه الأفكار.
دور المبدعين في مواجهة التطرف
ولفت إلى أن مواجهة التيارات المتشددة لم تكن سهلة، حيث دفع العديد من الفنانين والمثقفين ثمن مواقفهم، سواء عبر حملات التشويه أو الضغوط المجتمعية، وأن هذه المواجهة تطلبت شجاعة كبيرة في فترات كان فيها هذا الفكر في حالة صعود.
وأضاف أن دور الفن لا يقتصر على الترفيه، بل يمتد ليشمل تشكيل الوعي العام، وهو ما يجعله عنصرًا أساسيًا في أي مواجهة فكرية. وأشار إلى أن هذه المسؤولية تتطلب استمرار الدعم للمبدعين وتمكينهم من التعبير بحرية.