النقراشي باشا.. رجل دولة واجه الإرهاب ودفع حياته ثمنًا لحماية مؤسسات مصر
في مثل هذا اليوم عام 1888، ولد محمود فهمي النقراشي باشا في مدينة الإسكندرية، ليصبح لاحقًا واحدًا من أبرز رجال الدولة في تاريخ مصر الحديث، وأكثرهم حضورًا في لحظات التحول السياسي الحاد خلال النصف الأول من القرن العشرين. ارتبط اسمه بمسيرة وطنية امتدت من العمل الحزبي في ثورة 1919 إلى تولي رئاسة مجلس الوزراء في فترات بالغة الحساسية، انتهت باغتياله عام 1948، في واحدة من أكثر القضايا السياسية إثارة للجدل في التاريخ المصري الحديث.
النشأة والبدايات.. من التعليم إلى السياسة
نشأ النقراشي في بيئة تعليمية جعلته قريبًا من الفكر الحديث، وبدأ حياته المهنية كمعلم للرياضيات، قبل أن تدفعه الأجواء الوطنية في مطلع القرن العشرين إلى الانخراط في العمل السياسي، ومع تصاعد الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، انضم إلى صفوف حزب الوفد، حيث برز كأحد العناصر التنظيمية الفاعلة المقربة من سعد زغلول.
ويشير عدد من المؤرخين إلى أن النقراشي كان يتمتع بقدرة تنظيمية عالية، جعلته من الشخصيات التي ساهمت في العمل السري المناهض للاحتلال خلال ثورة 1919، وهو ما مهّد لظهوره لاحقًا كأحد رجال الدولة المؤثرين.
التحول السياسي وتأسيس الهيئة السعدية
شهدت مسيرته السياسية تحولًا مهمًا عندما انشق عن حزب الوفد، ليشارك في تأسيس حزب الهيئة السعدية مع أحمد ماهر باشا، في خطوة أعادت تشكيل المشهد الحزبي في مصر خلال الأربعينيات، هذا التحول لم يكن مجرد اختلاف سياسي، بل جاء في سياق رؤية مختلفة لطبيعة إدارة الدولة والعلاقة مع الاحتلال.
وبفضل خبرته السياسية والإدارية، تولى النقراشي منصب رئيس الوزراء مرتين، في فترة اتسمت بتعقيدات داخلية وضغوط خارجية متزايدة، خاصة مع استمرار الاحتلال البريطاني وتنامي الأزمات السياسية.
مواجهة الاحتلال ودور الدولة
خلال فترة رئاسته للحكومة، تبنى النقراشي موقفًا أكثر حزمًا تجاه الوجود البريطاني، وكان من أبرز قراراته تدويل القضية المصرية، عبر عرض ملف جلاء القوات البريطانية على مجلس الأمن الدولي عام 1947، في خطوة اعتُبرت تحولًا مهمًا في مسار الدبلوماسية المصرية.
كما عرف بتوجهه نحو ترسيخ فكرة الدولة القانونية، معتبرًا أن قوة الدولة لا تقوم إلا على مؤسسات مستقرة وقانون صارم يعلو على أي تنظيمات موازية.
حل الإخوان وبداية الصدام
دخل النقراشي في مواجهة مباشرة مع جماعة الإخوان المسلمين، بعد تصاعد التوتر السياسي والأمني في تلك المرحلة، وفي ديسمبر 1948، اتخذ قرارًا بحل الجماعة ومصادرة ممتلكاتها، وهو القرار الذي اعتُبر نقطة فاصلة في العلاقة بين الدولة والتنظيم، وأدى إلى تصاعد حاد في التوتر السياسي.
ويرى عدد من الباحثين أن هذا القرار كان من أكثر القرارات حساسية في تلك المرحلة، إذ وضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع تنظيم ذي نفوذ شعبي متزايد.
الاغتيال وتداعياته السياسية
في 28 ديسمبر 1948، اغتيل النقراشي باشا داخل وزارة الداخلية، في حادث صادم هز الحياة السياسية في مصر، وأحدث موجة واسعة من الاضطرابات، وقد نسبت عملية الاغتيال إلى أحد عناصر التنظيم، ما أدى إلى فتح مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعنف المتبادل.
وأدى اغتياله إلى تداعيات واسعة، شملت تشديد الإجراءات الأمنية، وتصاعد المواجهة مع التنظيمات السرية، وانعكست لاحقًا على المشهد السياسي حتى السنوات التي سبقت ثورة 1952.