إبراهيم التوني: مقاومة السويس الشعبية سطرت ملحمة بطولية هزمت الحصار|خاص
قال الشاعر إبراهيم التوني إن طفولته الأولى في مدينة السويس ما تزال حاضرة في ذاكرته، موضحًا أنه عاد إليها مع أسرته مطلع عام 1974 بعد انتهاء الحرب، وكان في السادسة من عمره آنذاك.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك»، أن المدينة التي عاد إليها كانت مختلفة تمامًا عما يُروى عنها في الحكايات، إذ بدت ملامح الدمار واضحة على كثير من أجزائها، وكانت آثار الرصاص وشظايا القذائف لا تزال ظاهرة على الجدران، فيما بقيت بعض البيوت شاهدة على ما جرى خلال الحرب، مشيراً إلى أن المنزل الذي سكنه كان يحمل آثار ضربات الطائرات، كما كانت الشوارع تضم بقايا دبابات ومعدات عسكرية مدمّرة.
وأضاف أن هذه المشاهد، رغم قسوتها، شكلت وعيه المبكر، حيث كان يرى بعينيه كيف تتحول المدن إلى ساحات مقاومة، وكيف يمكن لذاكرة المكان أن تبقى حيّة حتى بعد انتهاء المعركة.
مقاومة شعبية حقيقية بلا جيش نظامي
وأكد التوني أن ما جرى في السويس لم يكن معركة تقليدية شارك فيها جيش نظامي، بل كان نموذجًا فريدًا للمقاومة الشعبية، حيث تصدى الأهالي مع بقايا مجموعات المقاومة وبعض أفراد الشرطة لقوات عسكرية إسرائيلية مدججة بالسلاح.
وأوضح أن المدينة، في تلك اللحظات، كانت شبه خالية من القوات النظامية، وأن من دافع عنها كانوا أفرادًا يحملون أسلحة بسيطة، لكنها كانت مدفوعة بإرادة صلبة وإيمان عميق بأن الأرض لا تُفرّط.
وأشار إلى أن هذه المقاومة لم تكن عشوائية، بل ضمت عناصر مدربة، خاصة من مجموعات “منظمة سيناء” التي كانت تابعة للمخابرات المصرية، ورغم سحب سلاحها قبل الحرب، فإن بعض أفرادها تمكنوا من استعادة السلاح المخزن واستخدامه في المواجهة، وهو ما ساهم في تغيير مسار الأحداث داخل المدينة.
معركة قسم الأربعين.. لحظة فارقة
وتوقف التوني عند واحدة من أبرز لحظات المقاومة، وهي معركة قسم الأربعين، التي وصفها بأنها ستظل رمزًا خالدًا في تاريخ السويس، موضحا أن القوات الإسرائيلية تمكنت من الوصول إلى القسم واحتلاله، لكن مجموعات المقاومة تمركزت في مبانٍ مقابلة، وبدأت محاولات متكررة لفك الحصار، رغم خطورة الموقف.
وأضاف أن المواجهات كانت مباشرة وقريبة للغاية، حيث حاول المقاومون عبور الشارع تحت نيران كثيفة، وسقط عدد منهم شهداء في الأمتار الأولى، بل إن بعض الجثامين ظلت معلقة على أسوار القسم حتى تم إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب، موكدا أن هذه اللحظات تختصر معنى التضحية، حيث واجه أفراد بأسلحة محدودة قوة عسكرية كبيرة، ونجحوا في كسر هيبتها.
حرب شوارع ودحر قوة عسكرية كبيرة
وأشار التوني إلى أن ما حدث في السويس كان أقرب إلى “حرب مدن” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث كانت المواجهات تدور في الشوارع وبين البيوت، وكان المقاومون يظهرون من بين المباني، يشتبكون مع القوات الإسرائيلية، ثم يختفون مرة أخرى، في مشهد يعكس براعة كبيرة في إدارة القتال رغم قلة الإمكانيات.
وأوضح أن هذه المواجهات أدت إلى تعطيل عدد كبير من الآليات العسكرية الإسرائيلية، وأجبرت القوات المحاصِرة على التراجع، مشيرًا إلى أن العدو حاول بكل الطرق تحقيق نصر سريع قبل وقف إطلاق النار، لكنه فشل أمام صمود هذه المجموعات الصغيرة، التي استطاعت أن تحوّل المدينة إلى منطقة عصية على الاحتلال.
أبطال من الظل وتكاتف نادر
ولفت إلى أن المقاومة ضمت نماذج عديدة من الأبطال، من بينهم أفراد من الشرطة مثل اللواء أسامة العسرة، الذي شارك في القتال بصفته مواطنًا قبل أي شيء، إلى جانب شخصيات شعبية ورموز محلية، بالإضافة إلى شباب من منظمة سيناء وأهالي رفضوا مغادرة المدينة رغم التهجير.
وأكد أن هذا التكاتف بين فئات مختلفة من المجتمع يعكس طبيعة اللحظة، حيث تلاشت الفوارق، وأصبح الجميع في خندق واحد دفاعًا عن المدينة، مشيرًا إلى أن أغلب هؤلاء لم يكونوا يسعون إلى بطولة شخصية، بل كانوا يتحركون بدافع الانتماء فقط.
تجربة التهجير والحنين إلى المدينة
وعن تجربة التهجير، أوضح التوني أن أسرته، كغيرها من أسر السويس، اضطرت إلى مغادرة المدينة خلال الحرب، مشيرًا إلى أن بعض المهجرين عاشوا في مراكز إيواء ومدارس، بينما انتقلت أسرته إلى قرية لها جذور فيها، لكنه أكد أن هذه التجربة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا، خاصة لدى الأطفال، الذين وجدوا أنفسهم غرباء في أماكن جديدة، يحملون حنينًا دائمًا إلى مدينتهم.
وأضاف أن هذا الشعور بالاغتراب ظل ملازمًا له، حتى بعد الانتقال إلى القاهرة، حيث كان الإحساس بأنه “زائر” لا يفارقه، في انتظار العودة إلى المكان الذي ينتمي إليه.
طفولة بين الدبابات وذكريات الحرب
وتابع التوني أن العودة إلى السويس كانت مليئة بالمفارقات، فبينما كانت المدينة لا تزال تعاني من آثار الحرب، كان الأطفال يتعاملون مع بقاياها كمساحة للعب، حيث كانوا يتسلقون الدبابات المدمرة، ويلهون ببقايا الخوذ وفوارغ الرصاص، مشيراً إلى أن هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تكشف حجم التداخل بين الحياة والموت في تلك الفترة.
كما لفت إلى أن المدينة لم تكن قد أُزيلت منها كل مخلفات الحرب، وهو ما أدى إلى وقوع حوادث نتيجة انفجار ألغام أو متفجرات، ما جعل الحياة محفوفة بالمخاطر حتى بعد انتهاء المعارك.
السويس.. مدينة كتب عليها الصمود
وأكد أن ما حدث في السويس خلال الحصار ليس مجرد واقعة عابرة، بل هو نموذج لصمود مدينة بأكملها، استطاعت بإمكانات محدودة أن تفرض إرادتها، وتعلن أنها خارج سيطرة العدو، لتبقى رمزًا حيًا للمقاومة في الذاكرة المصرية.
واختتم الشاعر إبراهيم التوني حديثه بالتأكيد على أن السويس ليست غريبة على فكرة المقاومة، بل هي مدينة كُب عليها أن تكون في قلب المواجهة، منذ العدوان الثلاثي مرورًا بحروب الاستنزاف وحتى أكتوبر.