رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمد عفيفي: السينما قصرت في توثيق حرب أكتوبر مقارنة بالعالم | خاص

الدكتور محمد عفيفي
الدكتور محمد عفيفي

قال الدكتور محمد عفيفي أن حرب أكتوبر لم تحظ بالمعالجة الفنية اللائقة في السينما المصرية، موضحًا أن عدد الأعمال التي تناولت هذا الحدث التاريخي الكبير يظل محدودًا للغاية، كما أن بعض هذه الأعمال جاء سطحيًا في طرحه، فلم يتجاوز في كثير من الأحيان حدود التأثيرات الاجتماعية والنفسية للحرب، دون الغوص في عمقها العسكري والاستراتيجي.

وأضاف في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك»، أن اختزال الحرب في “الصدى الاجتماعي” فقط يُفقدها كثيرًا من قيمتها التاريخية، لأن هذا الحدث لم يكن مجرد تجربة إنسانية عابرة، بل كان لحظة فاصلة أعادت تشكيل الوعي الوطني والسياسي في مصر والمنطقة، وهو ما كان يستدعي تقديمه عبر أعمال متعددة الزوايا، تكشف أبعاده المختلفة بشكل أكثر شمولًا.

فجوة واضحة مقارنة بالسينما العالمية

وأشار عفيفي إلى أن هذه المحدودية تصبح أكثر وضوحًا عند مقارنتها بما قدمته السينما العالمية، التي تعاملت مع الحروب الكبرى بوصفها مادة خصبة للإبداع، فأنتجت مئات الأفلام التي تناولت الحرب العالمية الثانية من زوايا متعددة، إلى جانب أعمال كثيرة عن حرب فيتنام والحروب الأمريكية الحديثة.

وأوضح أن هذه الأعمال لم تكتفِ بالسرد المباشر، بل تنوعت بين الطرح الإنساني والسياسي والعسكري والفلسفي، ما ساهم في ترسيخ هذه الأحداث في الذاكرة الجمعية لشعوبها. في المقابل، لا تزال حرب أكتوبر في مصر تفتقر إلى هذا الزخم الفني، وهو ما يكشف عن خلل في العلاقة بين التاريخ والإنتاج الثقافي.

تكلفة الإنتاج وعائق التنفيذ

وأوضح أن أحد أبرز أسباب هذا القصور يتمثل في طبيعة الإنتاج السينمائي نفسه، حيث تتطلب أفلام الحروب ميزانيات ضخمة وإمكانات لوجستية معقدة، وهو ما لا يتوافر بسهولة في الصناعة السينمائية المصرية.

واستشهد بتجربة فيلم الناصر صلاح الدين، مؤكدًا أنه كاد يتعثر أكثر من مرة بسبب تكلفته العالية، وأن إنجازه لم يكن ممكنًا إلا بتدخل الدولة ودعمها المباشر، سواء من خلال توفير الموارد أو الاستعانة بعناصر من القوات المسلحة.

وأضاف أن هذا النموذج يوضح بجلاء أن إنتاج عمل ملحمي عن حرب أكتوبر يتطلب إرادة مؤسسية واضحة ودعمًا ماديًا كبيرًا، وليس مجرد مبادرات فردية.

 ضعف الاهتمام بالتاريخ

لكن عفيفي يرى أن المشكلة أعمق من مجرد الإنتاج، إذ ترتبط بضعف الاهتمام العام بالتاريخ في مصر، سواء على مستوى الدراسة الأكاديمية أو التناول الإعلامي.

وأوضح أن مصر، رغم كونها “بلد التاريخ”، تعاني من غياب واضح في ثقافة التوثيق ونشر المعرفة التاريخية بين الجمهور، مشيرًا إلى أن وسائل الإعلام تمنح مساحات واسعة للرياضة والفن، في حين يظل التاريخ مهمشًا إلى حد كبير.

هذا التهميش، بحسب قوله، يؤدي إلى تراجع الوعي العام بأهمية الأحداث التاريخية، ويجعل من الصعب تحويلها إلى مادة حية في الوجدان الشعبي أو الإنتاج الإبداعي.

ثراء إنساني مهمل وحكايات لم تُروَ

وفي سياق حديثه عن بطولات الحرب، أكد عفيفي أن هناك مئات القصص الإنسانية والعسكرية التي لم يتم استثمارها حتى الآن، موضحًا أن كل قصة من هذه القصص تصلح لأن تكون عملًا فنيًا قائمًا بذاته.

وأشار إلى أن السينما العالمية كثيرًا ما تبني أفلامًا كاملة على واقعة صغيرة أو تجربة فردية داخل الحرب، بينما تمتلك مصر مادة ثرية للغاية، لكنها لم تحول بعد إلى أعمال مؤثرة.

وأضاف أن المشكلة ليست في نقص الحكايات، بل في غياب الرؤية التي تلتقط هذه التفاصيل وتعيد صياغتها فنيًا بشكل قادر على الوصول إلى الجمهور.

محاولات فردية لم تكتمل

ولفت إلى أن بعض الكتاب حاولوا بالفعل الاقتراب من هذه المنطقة، ومن بينهم الكاتب جمال الغيطاني، الذي قدم نماذج مهمة في الكتابة عن الحرب وشخصياتها، مثل إبراهيم الرفاعي وغيره من الأبطال.

ذاكرة موسمية لا تصنع وعيًا

وأشار عفيفي إلى أن من مظاهر الأزمة أيضًا أن استدعاء حرب أكتوبر في الوعي العام أصبح موسميًا، حيث يقتصر الاهتمام بها على مناسبات محددة مثل ذكرى السادس من أكتوبر أو احتفالات تحرير سيناء.

وأوضح أن هذا النمط من التذكر لا يرسّخ الوعي الحقيقي، بل يحول الحدث إلى طقس احتفالي مؤقت، يغيب أثره سريعًا مع انتهاء المناسبة، بدلًا من أن يظل حاضرًا كجزء من الذاكرة اليومية والثقافة العامة.

دعوة لإعادة بناء العلاقة مع التاريخ

وأوضح أن مصر تمتلك ثروة هائلة من الأحداث والشخصيات التي يمكن أن تتحول إلى أعمال فنية كبرى، إذا ما توفرت لها الرؤية والدعم، مشددًا على أن توثيق هذه البطولات ليس مجرد عمل فني، بل هو ضرورة لبناء وعي وطني مستنير يمتد أثره إلى الأجيال القادمة.

واختتم الدكتور محمد عفيفي حديثه بالتأكيد على أن إعادة تقديم حرب أكتوبر بشكل يليق بها يتطلب أولًا إعادة بناء العلاقة مع التاريخ نفسه، من خلال الاهتمام بدراسته وتوثيقه وإدماجه في الخطاب الثقافي والإعلامي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء