نضال أبو زيد: التصعيد الإسرائيلي في لبنان يعتمد على سياسة الأرض المحروقة
قال العميد الركن نضال أبو زيد، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن التصعيد الإسرائيلي المتواصل في جنوب لبنان يكشف بوضوح اعتماد الاحتلال على سياسة الأرض المحروقة، خاصة مع التكرار اللافت لعمليات نسف الأحياء السكنية في منطقة الخيام، وهي السياسة التي تحمل أبعادًا عسكرية تتجاوز مجرد التدمير التقليدي، موضحًا أن منطقة الخيام تتمتع بأهمية استراتيجية خاصة، كونها تقع ضمن ما يعرف عسكريًا بالخواصر الرخوة، وهي منطقة حيوية تربط بين شمال الجليل ومحيط نهر الليطاني، ما يجعلها نقطة ارتكاز مهمة لأي تحرك بري إسرائيلي داخل الجنوب اللبناني.
السيطرة على الخيام لم تكتمل قبل الهدنة
وأضاف أبو زيد، خلال لقاء على قناة الجزيرة، أن القوات الإسرائيلية كانت قد فرضت سيطرة جزئية على الخيام قبل وقف إطلاق النار بنسبة تقارب 50% فقط، بينما بقيت المساحة المتبقية خارج السيطرة الكاملة، وهو ما يفسر عودة العمليات العسكرية المكثفة ومحاولات استكمال السيطرة الميدانية، مضيفًا أن الجيش الإسرائيلي يستخدم في هذه المرحلة المروحيات العسكرية والمدفعية الثقيلة في تنفيذ قصف مكثف شمال الخيام، ضمن محاولة لتأمين التقدم البري وتقليل المخاطر الميدانية أمام القوات المتقدمة.
ولفت إلى أن نسف المباني والمربعات السكنية لا يأتي بشكل عشوائي، بل يدخل ضمن ما يعرف باستراتيجية الضاحية، وهي العقيدة العسكرية التي تعتمد على تدمير البنية العمرانية بالكامل لتسهيل الحركة البرية للقوات، موضحًا أن الهدف الرئيسي من هذا النهج يتمثل في فتح الطرق وتأمين ما يعرف عسكريًا بالموبيليتي أو حرية الحركة للقوات، إضافة إلى إزالة المصائد والمتفجرات التي قد تكون زرعتها عناصر حزب الله قبل الانسحاب.
الخط الأزرق والأصفر والأحمر
وفي شرح للمشهد الحدودي، أشار أبو زيد إلى وجود ثلاثة خطوط ميدانية تتحكم في طبيعة المواجهة، أولها الخط الأزرق الذي أُقر بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، وهو ليس ترسيمًا نهائيًا للحدود بل خط انسحاب، أما ما يسمى بالخط الأصفر، فهو خط التوغل الإسرائيلي الحالي داخل الأراضي اللبنانية، ويمثل وفق التقديرات نحو 5% من مساحة لبنان، حيث تفرض إسرائيل سيطرة ميدانية مباشرة عبر قوات برية ومدرعات.
وأوضح الخبير العسكري أن الخط الأحمر يمثل نطاقًا أوسع من الخط الأصفر، ويعتمد فيه الجيش الإسرائيلي على السيطرة بالنار لا بالوجود العسكري المباشر، عبر المدفعية الثقيلة والضربات الجوية، حيث أن الهدف من هذا الخط هو منع إطلاق الصواريخ المضادة للدروع من مسافات قريبة، خصوصًا صواريخ الكورنيت وغيرها، والتي تشكل تهديدًا مباشرًا للمستوطنات الشمالية الإسرائيلية.
بنت جبيل تحت الحصار
وفي ملف بنت جبيل، أكد أبو زيد أن المدينة لا تزال تشهد اشتباكات محدودة، ما يدل على استمرار وجود عناصر من حزب الله داخلها رغم الحصار المفروض عليها من جهات عدة، مشيرًا إلى أن بنت جبيل تمثل مفتاحًا استراتيجيًا للسيطرة على نسق القرى الجنوبية، وأن الجيش الإسرائيلي كان قد حاصرها من عدة محاور قبل وقف إطلاق النار، لكنه فشل في اقتحامها بشكل كامل.
وحذر من احتمال لجوء إسرائيل إلى تطبيق نموذج مشابه لما جرى في رفح، عبر استهداف مكثف بالطيران دون الدخول في اشتباكات مباشرة، في حال تعذر الحسم البري، مضيفًا أن هذا السيناريو قد يعني تدميرًا واسعًا داخل بنت جبيل بهدف إنهاء وجود المقاتلين دون تحمل خسائر ميدانية مباشرة.
إسقاط المسيّرات ورسائل حزب الله العسكرية
وفيما يتعلق بإعلان حزب الله إسقاط طائرة مسيرة إسرائيلية قرب صور، اعتبر أبو زيد أن الرسالة الأساسية ليست فقط إسقاط المسيّرة، بل توجيه إنذار واضح للطيران الإسرائيلي، خاصة المروحيات، موضحًا أن إعلان استخدام صواريخ أرض-جو يحمل دلالة استراتيجية، مفادها أن المروحيات الإسرائيلية التي تقدم الإسناد القريب أصبحت ضمن دائرة الخطر، ما قد يدفع الجيش الإسرائيلي إلى تقليص استخدامها في العمليات المقبلة.
وفي ختام حديثه، أشار العميد الركن نضال أبو زيد، الخبير العسكري والاستراتيجي، إلى أن التوصيات العسكرية الإسرائيلية بتوسيع العمليات جنوب لبنان لا يمكن فصلها عن المسار السياسي والمفاوضات الجارية في واشنطن، معتبرًا أن التصعيد الميداني يستخدم كورقة ضغط سياسية لتحسين شروط التفاوض، حيث أن قرار الحرب أو توسيعها لا يصدر عن المؤسسة العسكرية وحدها، بل يبقى قرارًا سياسيًا بالدرجة الأولى، ما يعني أن التطورات المقبلة ستظل مرتبطة بالتوازن بين الميدان وطاولة المفاوضات.