رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حسين حمودة: الأبنودي قدم تجربة شعرية رحبة جمعت بين الذات والحس الوطني|خاص

الدكتور حسين حمودة
الدكتور حسين حمودة

قال الناقد الكبير الدكتور حسين حمودة أن مشروع الشاعرعبد الرحمن الأبنودي الشعري اتسم بقدر كبير من الرحابة والتنوع، مشيرًا إلى أن تجربة الأبنودي لا يمكن اختزالها في اتجاه شعري واحد أو قالب فني محدد، وإنما هي تجربة متعددة المداخل والرؤى والاتجاهات.

وأوضح في تصريحات خاصة لـ “ ايجبتك” أن الأبنودي كتب الشعر في وجهة “الشعر الفردي الذاتي” القائم على صوت واحد واضح مرتبط بـ“الأنا”، وهو ما يتجلى في عدد من أعماله المبكرة، ابتداءً من ديوانه الشهير “الأرض والعيال”، مرورًا بدواوين مثل “الفصول” و“صمت الجرس”، حيث يظهر الصوت الشخصي بكل أبعاده الوجدانية والإنسانية.

تحول نحو صوت الجماعة والانحياز للبيئة الشعبية

وأضاف حمودة أن الأبنودي لم يتوقف عند حدود التعبير الذاتي، بل اتجه بقوة إلى التعبير عن أصوات أخرى تمثل الجماعة التي انتمى إليها، ودافع عنها باستمرار، وهو ما يظهر بوضوح في أعماله مثل “جوابات حراجي القط” و“وشوش على الشط”، حيث تتجسد البيئة الشعبية المصرية بكل تفاصيلها اليومية والإنسانية.

وأشار إلى أن هذا الاتجاه منح شعر الأبنودي قدرة خاصة على الاقتراب من الناس، والتعبير عنهم بلغتهم ووجدانهم، بعيدًا عن التعقيد أو الانغلاق النخبوي.

السيرة الشعرية 

وأكد الناقد أن تجربة الأبنودي لم تقتصر على الذات أو الجماعة فقط، بل امتدت إلى ما يمكن وصفه بـ“السيرة الشعرية الغيرية”، كما في عمله “سيرة أحمد إسماعيل”، وهو شكل إبداعي يجمع بين التوثيق والسرد الشعري وإعادة بناء الشخصية داخل النص.

كما أشار إلى أن الأبنودي قدّم إسهامات كبيرة في مجال الأغنية، حيث كتب كلمات العديد من الأعمال التي غناها عدد كبير من المطربين والمطربات، ما جعل شعره ينتقل من الصفحة المكتوبة إلى الذاكرة الغنائية الشعبية، ويصل إلى جمهور واسع خارج دائرة القراء التقليديين.

تعدد النبرات بين الذاتي والاجتماعي والسياسي

وأوضح حمودة أن نتاج الأبنودي الشعري اتسم بتعدد النبرات والاهتمامات، حيث ظل هناك ارتباط واضح بين ما هو ذاتي وما هو جماعي، وبين ما هو عاطفي وما هو اجتماعي أو سياسي، وهو ما منح تجربته طابعًا مركبًا ومتعدد المستويات.

وأشار إلى أن هذا التداخل بين الأبعاد المختلفة جعل شعر الأبنودي قادرًا على التعبير عن الفرد والجماعة في آن واحد، دون أن يفقد أيًّا من الجانبين حضوره أو خصوصيته.

الحس الوطني في تجربة الأبنودي الشعرية

وأكد الناقد أن الحس الوطني كان حاضرًا حضورًا قويًا ومركزيًا في شعر الأبنودي، حيث شكل بعدًا أساسيًا من أبعاد تجربته الشعرية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في تعبيره عن القضايا الوطنية الكبرى التي مرت بها مصر والوطن العربي.

وفي وجهة التعبير غير المباشر، أشار حمودة إلى أن ديوان “وشوش على الشط” عكس بشكل خاص أصداء مشروع السد العالي، كما تجلت آثار هزيمة يونيو 1967 في عدد من قصائد الأبنودي، حيث انعكست الحالة النفسية العامة التي صاحبت تلك المرحلة بكل ما فيها من ألم وارتباك.

كما تناول الأبنودي تجربة حرب الاستنزاف، والحياة في مدن وقرى قناة السويس التي ظلت تقاوم الموت والتهجير، إضافة إلى مواقفه السياسية التي عبّر عنها في ديوانه “المشروع والممنوع” خلال فترة السادات.

التعبير المباشر عن الأحداث الوطنية

وفي المقابل، أوضح حمودة أن الأبنودي لجأ في أحيان أخرى إلى التعبير المباشر والسريع عن الأحداث الوطنية، خاصة عقب هزيمة 1967، حيث كتب أغنية “عدّى النهار” التي تغنى بها عبد الحليم حافظ، والتي أصبحت من أبرز الأغاني المرتبطة بتلك المرحلة التاريخية.

كما كتب أغنية “يا بيوت السويس” التي تغنى بها محمد حمام، والتي عكست روح المقاومة والصمود خلال فترة حرب الاستنزاف، مؤكدًا أن هذا النوع من التعبير السريع ظل حاضرًا في تجربة الأبنودي لاحقًا أيضًا.

امتداد التجربة حتى المراحل المتأخرة

وأشار حمودة إلى أن هذا الاتجاه استمر في مراحل لاحقة من تجربة الأبنودي، وصولًا إلى ديوانه المتأخر “الميدان”، الذي قدّم رؤية شعرية للأحداث التي صاحبت التحركات الجماهيرية في ميادين مصر في أوائل العقد الثاني من الألفية، وما أعقبها من تطورات وتحولات سياسية واجتماعية كبيرة.

تجربة شعرية قادرة على عبور الزمن

وأكد الناقد أن تجربة الأبنودي الشعرية تمثل واحدة من التجارب الكبرى والمميزة في مسيرة الشعر العربي الحديث، نظرًا لقدرتها على تجاوز لحظة الكتابة الزمنية، والانفتاح على أزمنة لاحقة، مع استمرار قدرتها على التفاعل مع قطاعات واسعة من القراء في مصر والعالم العربي.

وأشار إلى أن هذا الشعر استطاع أن يحقق حضورًا ممتدًا عبر الأجيال، لأنه لم يكن منعزلًا عن الواقع، بل كان متصلًا به، وفي الوقت نفسه منفتحًا على ما يتجاوزه.

التراث الشعبي والتجديد الشعري والتوصيل الجماهيري

واختتم حمودة بالتأكيد على أن من أبرز ملامح تجربة الأبنودي هو انفتاحها على التراث الشعبي المصري، وقدرته على توظيف هذا التراث في بناء نص شعري جديد يجمع بين البساطة والعمق، وبين الصوت الفردي والأصوات الجماعية.

كما أشار إلى أن الأبنودي نجح في مغامرة استكشاف أشكال شعرية جديدة، جعلت نصوصه قادرة على الجريان على ألسنة الناس العاديين، وليس فقط على ألسنة القراء المتخصصين.

وأكد أن الرهان على “التوصيل” ظل سمة أساسية في تجربة الأبنودي من بدايتها حتى نهايتها، سواء عبر الشعر المكتوب أو الأغنية، حيث اكتسبت نصوصه حياة إضافية من خلال الموسيقى والغناء، ما منحها حضورًا جماهيريًا واسعًا وقدرة على البقاء في الوجدان الجمعي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء