حسين الأسعد: أمريكا تستغل تراجع نفوذ طهران لفرض شروطها على العراق|خاص
في العراق، حيث تلتقي أعرق الحضارات بأعقد التحديات المعاصرة، تمر بغداد اليوم بمخاض تاريخي، يعيد رسم ملامحه السياسية والاقتصادية وسط عواصف إقليمية غير مسبوقة.
إن ما يشهده العراق في ربيع 2026 من تجاذبات حادة وضغوط دولية مكثفة ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو اختبار حقيقي لإرادة الاستقلال والسيادة؛ حيث تتطلع الروح الوطنية العراقية للعبور نحو ضفة الاستقرار، محولةً كل ضغط خارجي إلى قوة دافعة لبناء مستقبل يليق بتضحيات أبنائه ويحفظ مكانته المحورية في قلب التوازنات العالمية.
المحاصصة وتعقد المشهد

وفي هذا السياق يرى المحلل السياسي العراقي، حسين الأسعد، أنه فيما يتعلق بحالة عدم التوافق المسيطرة على المشهد السياسي في العراق، فإن المتابع قد اعتاد على هذا النمط منذ عام 2003 وحتى الوقت الحاضر.
حيث جرت العادة دائماً أنه بمجرد انتهاء العملية الانتخابية، يتم الدخول في جولات من المفاوضات والمباحثات "الماراثونية" بين القوى السياسية الرئيسية، سواء الشيعية أو السنية أو الكردية، لتنتهي هذه الحوارات بالوصول إلى صيغة لتوزيع المناصب والمواقع السيادية بناءً على القوة الانتخابية لكل طرف وما أفرزته صناديق الاقتراع من نتائج.
"السنة" السياسية
ويوضح الأسعد أن هذه الآلية تحولت بمرور الوقت إلى ما يشبه "السنة السياسية" المتبعة، بحيث يتم اختيار رئيس الوزراء من داخل الأحزاب السياسية الشيعية، لكنه يؤكد أن هذه المعادلة قد اختلفت تماماً في الوقت الراهن.
ويعزو هذا التغيير إلى ما يشهده الإقليم من أحداث وتداعيات أعقبت تاريخ السابع من أكتوبر، والتي ساهمت في تغيير المزاج السياسي للمنطقة بأكملها، خاصة بعد المواجهة التي استمرت تسعة وثلاثين يوماً بين الجانب الأمريكي وإيران، حيث يرى الأسعد أن ضعف النفوذ الإيراني في العراق أصبح أمراً جلياً وواضحاً للعيان.
ويضيف الأسعد أن الولايات المتحدة تحاول في هذه المرحلة استغلال هذا الضعف في النفوذ الإيراني لإبراز بصمتها السياسية الخاصة داخل العراق، وهو ما يتجلى في وجود مؤشرات حقيقية على ممارسة واشنطن ضغوطاً على الكتل السياسية العراقية بخصوص اختيار شخصية رئيس الوزراء القادم، حيث تشترط أن يكون بعيداً في توجهاته عن إيران.
أمريكا لا تريد السوداني
وفي هذا السياق، أشار المحلل إلى أن الضغوط شملت رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، كما كشف عن وجود معلومات تفيد بإبلاغ الجانب العراقي رسمياً برفض واشنطن تولي السيد محمد شياع السوداني لولاية ثانية.
وتؤكد هذه الأنباء أن الولايات المتحدة لن تبدي أي تعاون مع حكومة تكون قريبة من الفصائل العراقية المسلحة أو مرتبطة جغرافياً وسياسياً بإيران.
ويعتبر الأسعد أن هذا الموقف يمثل "ضوءاً أحمر" أمام الكتل السياسية الشيعية، لأنها تدرك جيداً أن تجاهل المطالب الأمريكية في هذه الظروف سيعني حتماً انتهاء وجودها السياسي.
وبما أن الساحة العراقية تمثل أهمية استراتيجية بالغة للجانب الأمريكي، فإن حالة عدم التوافق الحالية تدور في جوهرها حول كيفية إيجاد السبل والوسائل لاختيار رئيس الحكومة القادم وشكل الحكومة الجديدة بالطريقة التي تحفظ المصالح والنفوذ السياسي لهذه الكتل في المرحلة المقبلة، خاصة مع وجود توقعات بإملاءات أمريكية كبيرة جداً سترافق عملية تشكيل هذه الحكومة.
تراتبية الأدوار
وفي محاولة منه للتفكير "خارج الصندوق"، يطرح الأسعد فرضية أن ما يحدث من انقسام داخل "الإطار التنسيقي" (الذي يجمع الأحزاب الشيعية) قد يكون جزءاً من عملية "تراتبية الأدوار" المتفق عليها، حيث انقسم الإطار حالياً إلى فريقين، أحدهما يسعى لمنح الولاية للسيد نوري المالكي والآخر يتمسك بالسيد السوداني.
وبالرغم من كونهما ينتميان لنفس المدرسة السياسية والفكرية للأحزاب الشيعية، إلا أن عدم توافقهما قد يكون مخرجاً سياسياً للادعاء بأنهما لم يتفقا على أي منهما، وبالتالي الذهاب نحو خيار "الشخصية الثالثة" التي تنال رضا الولايات المتحدة الأمريكية.
أما بخصوص قرار واشنطن تجميد التعاون الأمني مع بغداد والدخول في مرحلة تصعيد جديدة، فيشير الأسعد إلى أن الأمر يتخطى الجانب الأمني؛ إذ تم إبلاغ الجانب العراقي بأن الولايات المتحدة قد تمنع تدفق الدولار الأمريكي الناتج عن عائدات بيع النفط العراقي.
عقوبات إقتصادية
هذه الأموال التي تودع أصلاً في المصارف التابعة للبنك الفيدرالي الأمريكي وتُحول إلى العراق بصيغة معينة للتحايل على مطالبات التعويضات الكبيرة المترتبة على العراق منذ فترة احتلال الكويت، حيث تعتبر واشنطن أن هذا الدولار أمريكي وهي صاحبة الحق في التصرف في تحويله.
ويختم الأسعد بأن التهديد الأمريكي بإيقاف هذه الأموال أو احتجاز جزء منها هو إجراء يشبه العقوبات الاقتصادية، بل هو في الحقيقة "عقوبات اقتصادية" فعلية، نظراً لأن العراق يعاني حالياً من معوقات في تدفق نفطه للأسواق العالمية بسبب الاضطرابات في مضيق هرمز، الذي يمثل الشريان الأكبر للصادرات العراقية، وهو ما يضع الدولة في مأزق حقيقي لتأمين الدولار اللازم لسداد رواتب الموظفين وتغطية الأموال التشغيلية والمشاريع.