كواليس تنازل الأمير يوسف كمال عن لقبه والتوقيع بـ«مزارع مصري»
في مثل هذا اليوم من عام 1932، صدرت مجلة «المصور» وعلى غلافها صورة للأمير يوسف كمال، إلى جانب خبر تنازله عن لقب «أمير»، دون أن توضح المجلة سبب القرار، لكنها أشارت إلى أنه بعد تخليه عن اللقب أصبح يوقع باسمه مجردًا باعتباره «مزارعًا مصريًا»، ولد يوسف كمال عام 1882 وتوفي عام 1969.
وكشفت روايات تاريخية لاحقة أن قرار يوسف كمال بالتخلي عن لقبه جاء في سياق خلاف مع الملك فؤاد الأول، الذي أصدر عام 1931 قرارًا بسحب لقب «نبيل» من الأمير عباس حليم، حفيد محمد علي باشا، بعد معارضته له علنًا، وإعادته إلى لقب «أفندي»، وقد أثار هذا القرار غضب يوسف كمال، فبادر بالتنازل عن لقبه «أمير» تضامنًا ورفضًا لهذا التوجه، قبل أن يلقى مصيرًا مشابهًا.
وينتمي الأمير يوسف كمال إلى أسرة محمد علي، فهو ابن الأمير أحمد كمال، الشقيق الأكبر للخديو إسماعيل، وقد عرف بأنه من أثرياء مصر الكبار في عصره، إذ بلغت ثروته نحو 10 ملايين جنيه، وبلغت إيرادات أملاكه عام 1937 حوالي 100 ألف جنيه سنويًا، فيما وصلت ممتلكاته بحلول عام 1948 إلى نحو 17 ألف فدان بإيراد سنوي يقارب 340 ألف جنيه.
ورغم ثروته الضخمة، لم ينشغل يوسف كمال بالسلطة بقدر اهتمامه بالثقافة والفنون والاستكشاف، حيث عرف برحلاته إلى مناطق مختلفة حول العالم، من بينها جنوب أفريقيا والهند، وكان مولعًا بالصيد واقتناء الحيوانات النادرة، حتى إنه احتفظ ببعضها محنطًا في قصوره، ولا يزال جزء منها موجودًا حتى اليوم في قصر محمد علي بالمنيل.
عطاء ثقافي وفني واسع
قدم يوسف كمال إسهامات ثقافية كبيرة، حيث أهدى مجموعات نادرة من اللوحات العالمية والتماثيل المصنوعة من المرمر إلى متاحف مصرية عدة، كما قدم للمتحف الإسلامي مجموعة من الثريات والمصاحف والسيوف والدروع والمشغولات الذهبية، موثقًا تاريخ كل قطعة.
كما أهدى المتحف الزراعي مجموعة من الطيور المحنطة ورؤوس الحيوانات، وقدم لمكتبة جامعة القاهرة مجموعة من الكتب المصورة، وكان عضوًا في إدارتها، كما دعم طلاب الجامعة المتفوقين عبر منح دراسية في الخارج على نفقته الخاصة.
تأسيس مدرسة الفنون الجميلة
يُعد يوسف كمال من أبرز الداعمين للفن في مصر، حيث أسس مدرسة الفنون الجميلة عام 1908 على نفقته الخاصة، واشترط أن تكون الدراسة مجانية ومخصصة لأصحاب الموهبة فقط دون التقيد بالسن، ومن أوائل طلابها المثال محمود مختار وراغب عياد، كما أرسل مختار إلى فرنسا لاستكمال دراسته على نفقة الأمير، وشارك في تأسيس الأكاديمية المصرية في روما.
مؤلفات ورحلات
ترك يوسف كمال إرثًا علميًا مهمًا، حيث ألّف كتبًا توثق رحلاته، منها «بالسفينة حول القارة الأفريقية» و«رحلة سياحية في بلاد الهند والتبت وكشمير»، إلى جانب موسوعة «جغرافية مصر وقارة أفريقيا» في 13 مجلدًا، و«أطلس يوسف كمال» الذي طُبع في هولندا ويضم خرائط نادرة للعالم. وتُحفظ مكتبته حاليًا في دار الكتب المصرية.
موقفه السياسي
كان يوسف كمال من الداعمين لثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني، وارتبط اسمه بنقاشات تاريخية حول أحقية توليه الحكم بعد تنازل الأمير كمال الدين حسين، إلا أن النفوذ البريطاني حال دون ذلك، ودعم صعود الملك فؤاد، ومع ذلك، لم يسعَ يوسف كمال إلى العرش، وفضّل التفرغ للعلم والثقافة والعمل العام، قبل أن يتخذ قراره التاريخي بالتخلي عن لقب «أمير» طواعية.