رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الدولة العثمانية|قصة مذابح الأرمن.. أفظع جرائم الإنسانية

مذابح الأرمن
مذابح الأرمن

تمر ذكرى مذبحة الأرمن كل عام لتعيد فتح واحد من أكثر الملفات التاريخية إيلامًا في القرن العشرين، حيث ارتبط اسم الدولة العثمانية بسلسلة من الأحداث الدموية التي راح ضحيتها مئات الآلاف، بل وملايين من الأرمن، في واحدة من أبشع عمليات الإبادة الجماعية التي شهدها التاريخ الحديث، وبينما تختلف الروايات بين مؤيد ومنكر ومحلل، تبقى الوقائع التاريخية والشهادات المكتوبة شاهدًا على مرحلة شديدة التعقيد من الصراع السياسي والديني والعرقي داخل السلطنة العثمانية.

من الإصلاح إلى الانقسام

تعود جذور الأزمة إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدًا بعد تولي السلطان عبد الحميد الثاني الحكم عام 1876، وهي فترة كانت الدولة العثمانية فيها تعيش حالة تراجع سياسي واقتصادي واضح، وخلال تلك المرحلة، كانت هناك محاولات لإقرار إصلاحات دستورية تمنح قدرًا من المساواة بين رعايا الدولة من مختلف الأعراق والديانات، بما في ذلك الأرمن الذين كانوا يشكلون جزءًا مهمًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي داخل السلطنة.

لكن مع صعود فكرة “الجامعة الإسلامية” التي تبناها السلطان عبد الحميد، بدأت السياسة تتجه نحو تعزيز الهوية الإسلامية للدولة، وهو ما خلق فجوة مع الأقليات المسيحية، وعلى رأسها الأرمن الذين طالبوا بإصلاحات أوسع وضمانات سياسية في الولايات التي كانوا يتركزون فيها شرق الأناضول.

التوترات السياسية ودخول القوى الكبرى

مع تصاعد المطالب الأرمنية، دخلت القوى الأوروبية على الخط، خصوصًا روسيا وبريطانيا، واستغلت هذه الدول الملف الأرمني كورقة ضغط سياسي على الدولة العثمانية.
روسيا دعمت مطالب الأرمن في مناطق مثل فان وأرضروم وديار بكر، في حين سعت بريطانيا لتحقيق مكاسب استراتيجية في المنطقة.

هذا التدخل الخارجي ساهم في تحويل القضية من مجرد مطالب داخلية إلى ملف دولي شديد الحساسية، انتهى بتوقيع معاهدات مثل “برلين 1878” التي نصت على إصلاحات لم تُنفذ فعليًا، مما زاد من حدة التوتر داخل الدولة العثمانية.

المذبحة الأولى

في ظل هذا الاحتقان، ظهرت ما عُرف بـ”الفرق الحميدية”، وهي ميليشيات مسلحة تم تشكيلها في أواخر عهد السلطان عبد الحميد، وكانت تتكون بشكل أساسي من مجموعات كردية مسلحة.

بين عامي 1894 و1896، اندلعت موجة عنف واسعة ضد الأرمن، عُرفت لاحقًا بـ”المذابح الحميدية”، وراح ضحيتها ما بين 100 إلى 150 ألف شخص وفق تقديرات مؤرخين وباحثين، وقد وصفت هذه المرحلة بأنها بداية التحول الكبير في شكل العلاقة بين الدولة العثمانية والأرمن، حيث تحولت من توتر سياسي إلى صراع دموي مفتوح.

المذبحة الثانية

بعد خلع السلطان عبد الحميد عام 1909، دخلت الدولة العثمانية مرحلة اضطراب سياسي داخلي شديد، تزامن مع صراع بين التيارات الإصلاحية والرجعية داخل الحكم، وفي هذا السياق، وقعت مجازر جديدة ضد الأرمن في مناطق مختلفة، راح ضحيتها نحو 30 ألف شخص، لتتكرر مشاهد العنف بشكل أكثر تنظيمًا وامتدادًا.

الحرب العالمية الأولى

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وجدت الدولة العثمانية نفسها في تحالفات وصراعات كبرى، وهو ما فتح الباب أمام واحدة من أخطر مراحل استهداف الأرمن.

بدأت عمليات التهجير القسري من مناطق الأناضول نحو الصحراء السورية، خصوصًا باتجاه دير الزور، في ظروف قاسية من الجوع والعطش والتعذيب، وتشير العديد من الشهادات التاريخية إلى أن عمليات التهجير لم تكن مجرد نقل سكاني، بل حملت طابعًا دمويًا منظمًا، تخللته عمليات قتل جماعي أثناء الرحلات.

شهادات ووثائق تاريخية

اعتمدت الكثير من الدراسات على مذكرات وشهادات دبلوماسيين وشهود عيان، أبرزهم السفير الأمريكي هنري مورغنثاو، الذي وصف ما جرى بأنه عملية منظمة تستهدف إبادة جماعية، كما وثق محامٍ سوري يدعى فايز الغصين مشاهداته في كتابه عن المذابح، مشيرًا إلى ما رآه من تهجير وقتل ومعاناة إنسانية هائلة خلال تلك الفترة.

أعداد الضحايا

تتباين الأرقام حول عدد الضحايا، إذ تشير تقديرات الأرمن وبعض الباحثين إلى أن عدد القتلى تجاوز مليون ونصف المليون إنسان، بينما تنفي روايات أخرى هذه الأرقام أو تقللها.
لكن رغم هذا الجدل، فإن معظم الدراسات التاريخية الحديثة تتفق على أن ما حدث كان واحدًا من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء