الصحفية آمال خليل.. حكاية صمود وسط الحصار جنوب لبنان
لم يكن اليوم في لبنان وتحديدًا بمحيط بلدة «الطيري» جنوب لبنان عاديا بالنسبة للصحفيتين آمال خليل، وزينب فرج، فبينما كانتا تقومان بعملهما الصحفي كالمعتاد، وجدتا نفسيهما فجأة في قلب مشهد يختلط فيه الخطر بالانتظار، حيث تحولت الطرقات إلى مناطق معزولة، وبات الخروج منها مهمة شبه مستحيلة.
وفي المكان نفسه، توقفت الحركة بالكامل، دون أن تتمكن أي جهة من الوصول إليهما، ومع مرور الوقت، ازداد القلق خاصًة مع منع القوات الإسرائيلية فرق الإسعاف، وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل) من التقدم نحو الموقع، وكانت الصحفيتين آمال وزينب عالقتين، لا تملكان سوى التواصل مع الخارج، فيما تتكثف النداءات عبر وسائل الإعلام؛ لمحاولة تأمين ممر آمن لهما.
استهداف الصحفية آمال خليل في لبنان
قبل ذلك بساعات، تعرضت سيارة في لبنان على الطريق المؤدي إلى بلدة «الطيري» لاستهداف مباشر، بالتزامن مع وجود فريق جريدة الأخبار في المنطقة، لم تُكن الصورة واضحة تمامًا، لكن الإصابات التي سقطت في المكان زادت من حدة التوتر، وجعلت الفريق محاصرًا في موقع الخطر، ينتظر أي تدخل يمكن أن يفتح طريقُا للنجاة، وتم إنقاذ زينب فرج بينما أصبح مصير آمال خليل مجهولًا، وهو ما شكل بارقة أمل وسط هذا المشهد القاسي خاصةً بعد تأكيد أن الاستهداف وقع على مقربة من عدد من الصحافيين دون أن يسفر عن إصابات مباشرة بينهم؛ لكن النجاة الجسدية لم تخفف من وطأة الحصار ولا من ثقل اللحظة.
وفي تلك الأثناء، كانت الاتصالات تتحرك على مستويات رسمية، حيث أعلن بول مرقص، وزير الإعلام بمتابعته المباشرة لما يجري، بالتنسيق مع قيادة الجيش اللبناني وقوات (اليونيفيل)، معبرًا عن إدانته الشديدة لمحاصرة الصحفيين، ومحملًا إسرائيل المسؤولية الكاملة عن سلامتهم، ومشددًا على ضرورة حمايتهم وضمان استمرار عملهم دون تهديد؛ لكن قصة الصحفية آمال في الجنوب لم تبدأ عند هذه اللحظة، وقبل أيام كانت تتحدث بهدوء أمام الكاميرا، محاولة نقل صورة مختلفة عمًا يجري، وفي مقابلة تلفزيونية، روت ما تراه يوميًا في القرى الجنوبية، وقالت إن الصورة ليست كما يتم الترويج لها بالكامل، وصحيح أن الدمار موجود؛ لكن الحياة لم تختف تمامًا.
جنوب لبنان لم يتحول إلى فراغ
وكانت تؤكد أن فريقها يوثق كل شيء بالصوت والصورة؛ ليظهر أن بعض الناس ما زالوا هناك مزارعون يتمسكون بأرضهم، ومدنيون يرفضون مغادرة ما تبقى من حياتهم رغم الخطر، وكانت ترى في ذلك نوعًا من التحدي، ورسالة بأن جنوب لبنان لم يتحول إلى فراغ كما يقال، وتحدثت أيضًا عن حجم الدمار بلغة الأرقام، محاولة وضع الأمور في سياقها، مشيرة إلى أن بعض القرى تعرضت لنسب تدمير كبيرة، خاصة تلك القريبة من الحدود، حيث استخدمت فيها سياسة الأرض المحروقة؛ لكنها في الوقت نفسه قارنت ما يحدث حاليًا بما جرى في حرب 2006، معتبرة أن الصورة مختلفة، وأن الجنوب الذي نما وتوسع عمرانيًا واقتصاديًا خلال السنوات الماضية ولا يزال يحتفظ بجذوره رغم كل شيء.
ولم تنكر الصحفية آمال، وجود تعب أو اعتراض بين بعض السكان، خاصة مع طول أمد الحرب؛ لكنها كانت ترى أن هذا الشعور لا يلغي قناعة راسخة لدى كثيرين، ممن عاشوا تجارب سابقة من النزوح والعودة، ويعرفون تمامًا معنى أن يعيشوا قرب هذا الصراع كانت تستعيد قصصًا من الماضي، عن قرى ـجبر ـهلها على الرحيل منذ عقود، وعن عودة الناس بعد كل حرب ليبدأوا من جديد، حتى لو اضطروا للسكن في خيم مؤقتة.
ولكن تغيرت الأوضاع والمشاهد السياسية والإنسانية تجاه الصحفية آمال خليل اليوم الأربعاء، وهي عالقة في محيط «الطيري»، كما تبدو كلماتها السابقة وكأنها تعود إليها بشكل مختلف؛ لم تعد مجرد شهادة صحفية، بل تحولت إلى تجربة شخصية تعيش تفاصيلها لحظة بلحظة، بين خوف الانتظار وأمل الخروج، وبين إيمان قديم بأن هذه الأرض، رغم كل ما تمر به لا تترك أهلها بسهولة.