رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بداية لماذا نردد كثيرًا ، "مصر أم الدنيا" . وهل هذا نوع من الشوفينيةchauvinism ، أي التعصب القومي أو الوطني المفرط والعدائي تجاه الآخرين . . ؟؟

 

قبل أن نخوض في الجواب على هذا التساؤل ، سنطرح بعض الآراء التي تدعو لعزلة مصر وحيادها عن القضايا العربية . ففي ندوة القذافي في جريدة الأهرام في أبريل عام 1972 دعا توفيق الحكيم إلى نظرية  حياد مصر (على غرار سويسرا) ، معتبرًا خروج مصر من حلبة الصراعات العسكرية ، سيسمح لمصر بالالتفات للتنمية والنهضة الثقافية ، معتبرًا تلك خطوة عقلانية لإنهاء حالة الحرب واللا سلم  . 

 

كما ذكر نجيب محفوظ أن السلام ضرورة حضارية ، وأن إسرائيل أمر واقع ، وأن الاستمرار في الحروب يؤدي إلى مزيد من الدمار ، وأن المواجهة الثقافية والحضارية أهم من المواجهة العسكرية . كذلك نشر توفيق الحكيم مقالًا يدعو لنظرية حياد مصر عام 1978 في الأهرام  3 و12 مارس وفي الأخبار 18 مارس ، وأيده في هذه الدعوة الدكتور حسين فوزي في الأخبار 23 مارس . 

 

 

وكان مضمون هذه الدعوة هو الانسحاب من المجموعة العربية ، وتخليها عن ارتباطاتها مع جاراتها ، لكي تلتفت لشؤونها الخاصة بعد طول ضياع . وإعادة بناء نفسها بعد طول خراب . وللتدليل على ذلك قال توفيق الحكيم أن مصر الحقيقية هي "متحف العالم" الذي لا يصان إلا بالحياد . أو أنها "فندق العالم" محط سياح الشرق والغرب ، وهو ما يستوجب أن تعيش في حياد دائم . فلم يبق أن يقول قائل إن مصر ينبغي أن تكون "كباريه العالم" ، كما قال الدكتور لويس عوض متهكمًا في مقال الأساطير السياسية في الأهرام في أبريل من نفس العام . لتكتمل الصورة ، إذا أردنا أن نربط هويتنا ومستقبلنا بالشيكات السياحية .

 

 

 

 

وقد سبق أن حاول سليمان حافظ ومجموعة من الساسة المصريين عام 1956أيام حرب السويس ، "الدعوة إلى الحياد" مع تنحية جمال عبد الناصر ، لإنقاذ مصر من العدوان الثلاثي . 

 

 

 

ورغم أن الدكتور لويس عوض قد أجهد نفسه في رفض القومية العربية ، إلا أنه أقر بأن توفيق الحكيم ومن ذهب مذهبه ، يتجاوزن عن حقيقة من أهم حقائق الحياة والتاريخ ، ألا وهي الحقيقة الجيوسياسية .  التي تربط مصر راضة أم كارهة بالمنطقة العربية والمنطقة الأفريقية . وهي حقيقة الأمن القومي المصري البحت ، بلا فلسفة ولا ميتافيزيقا . 

 

 

 

وفي الحقيقة فإن مصر التي في خاطرنا هي دور ، نتج عن ما وصفه الدكتور جمال حمدان ، أنها بالجغرافيا تقع في أفريقيا، وتمت إلى آسيا بالتاريخ ، وهي فرعونية بالجد ولكنها عربية بالأب . ثم إنها بجسمها النهري قوة بر، ولكنها بسواحلها قوة بحر ، وبذلك تضع قدمًا في الأرض وقدمًا في الماء . 

 

 

 

 

وهي بجسمها النحيل تبدو مخلوقًا أقل من قوي ، ولكن برسالتها التاريخية الطموحة ، تحمل رأسًا أكثر من ضخم . وهي بموقعها على خط التقسيم التاريخي بين الشرق والغرب ، تقع في الأول ولكنها تواجه الثاني عبر المتوسط . كما تمد يدًا نحو الشمال وأخرى نحوى الجنوب . 

 

 

 

فبحكم الموقع كانت مصر دائمًا ملتقى العرب ، وأحيانًا ملجأً وملاذًا ، وخط دفاع أخير عن التراث العربي . ففي العصر الوسيط حين بدأت أخطار الأندلس وقلاقل المغرب ، تدفق العلماء والصناع على مصر (كابن خلدون مثلًا) ، ومن العراق مع الطوفان المغولي وبعده ، انتقلوا بالآلاف إلى مصر . 

 

وفي العصور الحديثة ، خاصة القرن الأخير كانت مصر بؤرة تستقطب موجات النازحين والمهاجرين من الشام من المثقفين والمضطهدين ، وفي كل الحالات كانت تلعب دور المنار للإسلام ودور المنبر للعروبة .

 

 

 

 

 وإذا كانت بقية البلاد العربية قد تبادلت الهجرات والجاليات ، كل مع جاراتها العربية المباشرة ، فإن الأطراف البعيدة قل أن تتلاقى بطبيعة الحال ، فالعراق لم يعرف مغاربة مثلًا تذوب بين ظهرانيه أو سودانيين ، ولا السودان عرف عراقيين أو مراكشيين بدرجة مذكورة .. الخ .  وفي النتيجة تبدو مصر ، في حدود تجانسها القاعدي الأساسي مع ذلك ، بوتقة العالم العربي في معنى ما .

 

 

 

ويؤكد ذلك هنري كيسنجر في كتابه ، القيادة – ست دراسات في الاستراتيجية العالمية ، حيث يقول: "وهب التاريخ مصر يقبيًا استثنائيًا بالاستمرارية والكمال الحضاري . ولآلاف السنين، بقي وادي النيل الممتد من شمال أسوان ، بمنزلة القلب للأراضي والبلاد . وعلى الرغم من خضوعها للحكم الأجنبي عبر ثلاثة وعشرين قرنًا ؛ البطالة ثم الرومان والبيزنطيين والخلفاء المسلمين ، المماليك والعثمانيين وأخيرًا البريطانيون ، كانت مصر قادرة في أغلب الفترات على إضفاء الهوية المحلية على غزاتها ؛ فعلى الرغم من أن مصر لم تعرف الاستقلال التام منذ أيام الإسكندر الأكبر ،  إلا أنها لم تعتبر نفسها مستعمرة مطلقًا ؛ بل هي حضارة تمارس الخلود في ثوبه الفرعوني . وتستدعي مثل هذه الشخصية المميزة أكثر من مجرد المكانة الإقليمية ".

 

 

 

 

وفي دراسته التي وردت في موسوعة وصف مصر La Description d’Egypte، بعنوان مقدمة تاريخية عن مصر والحملة الفرنسية يذهب  مسيو فورييه  Fourier أحد علماء الحملة الفرنسية إلى التاريخ القديم ، حيث يقول: " لم تنشأ في الشرق أو في آسيا قوة كبرى ، لم ترنُ ببصرها نحو مصر، أو لم تنظر إليها باعتبارها إقطاعية طبيعية بالنسبة لها . كما أن الأحداث الكبرى ، التي كان لها تأثيرها على تقاليد وتجارة وسياسة الإمبراطوريات ، قد صحبت معها الحروب إلى ضفاف النيل . فمصر تشغل بموقعها بين أوروبا وآسيا ، وباتصالها الميسور بأوروبا ، قلب العالم القديم" . 

 

 

 

 

ويضيف فورييه "هذه البلاد تقدم ذكريات مجيدة . فهي وطن الفنون ، فهي ما فتئت تحتفظ لهذه الفنون ، بصروح لا تحصى ، ولا تزال قائمة حتى اليوم أهم معابدها ، وكذا قصورها التي سكنها ملوكها ، على الرغم من أن أحدث هذه الصروح قد شيد قبل حرب طروادة . ولقد ذهب إلى مصر كل من هوميروس وليكورجوس ، ودرس فيها سولون وفيثاغورث وأفلاطون ، العلوم والدين والقانون . وأسس الإسكندر هناك مدينة بالغة الثراء ، حظيت لوقت طويل بالسيطرة على عالم التجارة . وشاهدت بومبي وقيصر ومارك أنطونيو وأغسطس ، يقررون قَدَر روما وأقدار العالم بأسره . ومن خاصية هذه البلاد ، أنها تسترعي انتباه كل المبادئ الباهرة والمتألقة ، التي تنظم أقدار الأمم .

 

 

 

 

كذلك يقول فورييه :" قد أوصى الدين إلى ملوكنا بالرغبة في الاستيلاء على مصر . وقد بذل العديد من الأمراء الصليبين ، وكذلك البابا أنوسان الثالث Innocent ، والذي تولى البابوية من 1198 إلى 1216 ، وهو الرجل الذي حكمت مواهبه كل أوروبا لتحقيق هذا المشروع . واتخذ المبادرة في قيام الحملة الصليبية الرابعة ".

 

 

 

ويضيف : "أما لايبنتز Leibnitz الذي عرف بأنه واحد من أكثر الفلاسفة إنسانية وتهيئة لعصر التنوير، اقترح مشروع حملة لغزو مصر . أما ما دفع لايبنتز هذا الى موقفه ومشروعه ، فكان «إخفاق آخر الحملات الصليبية وضرورة استئنافها» . هكذا بكل وضوح ، وكما جاء في المشروع الذي كتبه ووجهه الى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر ، طالباً منه أن يقوم بذلك المسعى ، الذي سيجعل منه خلفاً حقيقياً للويس التاسع، الملك الفرنسي الذي خاض حملته الصليبية ، ولكن كان من سوء حظه أن اعتقل في المنصورة ، في مصر تحديداً. 

 

 

 

 

كما يقول :"كان لدى ليبنتز خطة لهذا – وهما في الحق خطتان - بلغتا حد البراعة من شاب في الرابعة والعشرين. وكانت الخطة الأولى هي توحيد ولايات ألمانيا الغربية في "اتحاد الراين" . أما الثانية فكانت تعتمد على صرف نظر لويس الرابع عشر عن ألمانيا بإغرائه بالاستيلاء على مصر التي كانت آنذاك تحت حكم الأتراك . وكانت العلاقات آنذاك متوترة بين فرنسا وتركيا". 

 

 

 

فإذا قدر الملك لويس أن يرسل حملة لفتح مصر (فيسبق بذلك نابليون بمائة وثمانية وعشرين عاماً) ، فإنه ستكون له السيطرة على التجارة - بما في ذلك تجارة هولندا - التي تمر عبر مصر إلى الشرق ، ولأبعاد الحرب عن أرض فرنسا ، ووضع نهاية لتهديدات تركيا للعالم المسيحي ". 

 

 

ولقد فطن محمد على لذلك الموقع وخطورته ، وكان يرفض المشروعات التي تربط البحرين المتوسط بالأحمر. لأن ذلك سيزيد من أطماع القوى الكبرى في مصر . ومما يؤكد ذلك أن الإنجليز قد تمكنوا من إقناع الخديوي عباس الأول – برغم ميله للعزلة وكراهيته للأجانب وإيقافه للكثير من مشروعات محمد على – بإنشاء خط سكة حديد يربط الاسكندرية بالسويس ، وهو الثاني في العالم بعد إنجلترا ، وذلك مقابل المساعدة في حل مشاكله مع السلطان العثماني .

 

 

 

لكن التحديث الذي بدأ في عهد محمد علي وحفيده إسماعيل ، وقاده رفاعه الطهطاوي الذي أسس مدرسة الألسن عام 1835 ، وهب التي أسست للحركة الثقافية المنظمة ، وأسست للجامعة المصرية والنهضة الصحفية، وتطوير الصحافة (الوقائع المصرية التي أسسها محمد علي عام 1828) حيث ترأس تحريرها عام 1842 . وجمال الدين الأفغاني الذي لعب دورا كبيرًا في تأسيس مركز ثقافي ، فقد شكلت فترة إقامته في مصر 1871- 1879 العصر الذهبي الفكري والسياسي . ومن أبرز  أدواره تكوين جيل من المصلحين ، والإصلاح التعليمي والفكري ، فقام بتدريس الفلسفة والعلوم في الجامع الأزهر وفي منزله ، وشجع تلاميذه على تأسيس الصحف . ويعتبر الملهم الروحي والفكري للثورة العرابية 1881.

 

 

 

 

ولعل جمال الدين الأفغاني أكبر دليل على أهمية مصر الدور والمكان والمكانة . فقد شملت حركته مواقع عديدة في العالم من الهند إلى إيران إلى تركيا ، لكن بذوره لم تنبت إلا في مصر ، لأنها أم الدنيا .

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء