3 مكاسب للمودعين.. لماذا رفع «الأهلي ومصر» الفائدة على الشهادات الثلاثية؟
قرر بنكا “الأهلي المصري، ومصر”، رفع سعر العائد على الشهادات الثلاثية ذات العائد الثابت، ليصل إلى 17.25% سنوياً بدلاً من 16%، على شهادتي البلاتينية والقمة، على أن يبدأ تطبيق القرار اعتباراً من غد الأربعاء 22 أبريل 2026، وذلك على الشهادات الجديدة أو المجددة، بحد أدنى للشراء يبلغ 1000 جنيه ومضاعفاتها.
ورغم أن القرار يبدو في ظاهره مجرد زيادة في العائد الممنوح للعملاء، إلا أن أبعاده الاقتصادية والنقدية أعمق بكثير، إذ يرتبط مباشرة بتحركات السيولة داخل السوق، ومعدلات التضخم، والمنافسة على جذب المدخرات، إضافة إلى إدارة السياسة النقدية بشكل غير مباشر.
عائد أعلى للمدخرين.. ورسالة طمأنة قوية
يمنح القرار أصحاب المدخرات عائداً شهرياً أعلى، وهو ما يجعله جذاباً بشكل مباشر للأفراد الباحثين عن أدوات ادخارية آمنة وثابتة.
فعلى سبيل المثال، فإن العميل الذي يشتري شهادة بقيمة 100 ألف جنيه كان يحصل سابقاً على عائد شهري يبلغ نحو 1333 جنيهاً عند فائدة 16%، بينما سيرتفع هذا العائد إلى نحو 1437 جنيهاً بعد زيادة الفائدة إلى 17.25%، أي بزيادة تقارب 104 جنيهات شهرياً.
هذه الزيادة تمنح الشهادات الثابتة مزيداً من الجاذبية، خاصة أنها أداة ادخارية مضمونة بالكامل من البنوك الحكومية، ويمكن الاقتراض بضمانها، كما أنها متاحة بسهولة من خلال الفروع أو التطبيقات الإلكترونية.
وبذلك، فإن رفع العائد يمثل رسالة طمأنة للمودعين بأن أوعيتهم الادخارية لا تزال قادرة على منح عائد جيد نسبياً، في وقت تتآكل فيه القوة الشرائية للأموال بفعل الضغوط التضخمية.
امتصاص السيولة.. الهدف الأهم وراء القرار
بعيداً عن مصلحة العملاء، فإن الهدف الأكثر أهمية من القرار يتمثل في سحب السيولة من الأسواق وإعادتها إلى الجهاز المصرفي.
فوفقاً لبيانات البنك المركزي، ارتفع حجم السيولة المحلية في مصر إلى نحو 14.286 تريليون جنيه بنهاية فبراير 2026، مقارنة بـ 11.636 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2024، بزيادة ضخمة تعكس وفرة نقدية كبيرة داخل الاقتصاد.
كما بلغ حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي نحو 1.443 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2025، وهو ما يشير إلى وجود كميات ضخمة من الأموال خارج القنوات المصرفية الرسمية.
وهنا يأتي دور رفع الفائدة على الشهادات، حيث تسعى البنوك إلى جذب هذه الأموال وتحويلها إلى ودائع مستقرة بدلاً من بقائها في الأسواق أو توجيهها إلى المضاربة على الذهب أو الدولار أو السلع.
تساعد هذه السياسة في تقليل حجم السيولة المتداولة بين الأفراد، ما يخفف من الطلب الاستهلاكي ويقلل من الضغوط التضخمية، وبالتالي يدعم جهود السيطرة على الأسعار.
مواجهة التضخم المرتفع
يأتي القرار أيضاً في توقيت تشهد فيه معدلات التضخم ارتفاعاً ملحوظاً، فقد قفز معدل التضخم السنوي العام للحضر في مصر إلى 15.2% خلال مارس 2026 مقابل 13.4% في فبراير، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14%.
ويرجع هذا الارتفاع إلى زيادات في أسعار السلع الغذائية، خصوصاً الخضروات واللحوم، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع غير الغذائية نتيجة الضغوط السوقية والإدارية.
في ظل هذه البيئة التضخمية، يصبح رفع الفائدة على الشهادات أداة مهمة للحفاظ على جاذبية الادخار، لأن بقاء العائد أقل من التضخم بشكل كبير يدفع الأفراد إلى سحب أموالهم من البنوك والبحث عن بدائل استثمارية أخرى.
لذلك، فإن رفع الفائدة إلى 17.25% يمنح المدخرين عائداً حقيقياً إيجابياً نسبياً، أو على الأقل يحد من خسائرهم الناتجة عن التضخم، ويشجعهم على إبقاء أموالهم داخل الجهاز المصرفي.
تعويض خروج الشهادات مرتفعة العائد
سبب آخر مهم وراء القرار هو انتهاء آجال بعض الشهادات مرتفعة العائد التي طرحتها البنوك في فترات سابقة، وعلى رأسها شهادات 27% و23.5%.
هذه الشهادات جذبت سيولة ضخمة للغاية، ومع انتهاء آجالها بدأت البنوك تواجه تحدياً في الحفاظ على هذه الأموال داخل الجهاز المصرفي، لأن العملاء قد يتجهون إلى قنوات استثمار أخرى إذا وجدوا أن العائد الجديد أقل كثيراً.
لذلك جاء رفع العائد على الشهادات الثلاثية الثابتة كخطوة تهدف إلى الاحتفاظ بجزء من هذه السيولة وإقناع العملاء بإعادة استثمار أموالهم في الشهادات الجديدة بدلاً من سحبها.
أي أن القرار لا يستهدف فقط جذب أموال جديدة، بل أيضاً منع خروج السيولة الحالية من البنوك.
منافسة مصرفية للحفاظ على الحصة السوقية
لا يمكن تجاهل أن هناك بعداً تنافسياً واضحاً في القرار، فالبنك الأهلي المصري وبنك مصر يمثلان الكتلة الأكبر من ودائع الأفراد في السوق المصرية، وأي تغيير في أسعار العائد لدى أحدهما يفرض على الآخر التحرك سريعاً للحفاظ على حصته السوقية.
وفي ظل المنافسة مع البنوك الأخرى التي تقدم أوعية ادخارية متنوعة، يصبح الحفاظ على جاذبية الشهادات الثابتة ضرورة استراتيجية، خاصة أن هذه الشهادات تمثل أحد أهم مصادر التمويل منخفض المخاطر للبنوك.
هل القرار إيجابي؟
بالنسبة للمودعين، القرار إيجابي بوضوح لأنه يمنحهم عائداً أعلى على مدخراتهم، ويزيد من جاذبية الادخار الآمن في وقت تتزايد فيه الضغوط التضخمية.
أما بالنسبة للاقتصاد، فالقرار يمثل أداة لامتصاص السيولة وكبح التضخم، حتى وإن ترتب عليه ارتفاع تكلفة الأموال على البنوك.
بمعنى آخر، فإن البنوك تضحي بجزء من هامش التكلفة مقابل تحقيق هدف أكبر، وهو سحب السيولة من الأسواق، ودعم استقرار الأسعار، والحفاظ على استقرار الجهاز المصرفي.