هل تنجح الطاولة فيما فشل فيه الحرب.. ما مصير مفاوضات لبنان وإسرائيل؟| خاص
لا يزال غبار القصف يملآ أجواء الجنوب اللبناني وقسم كبير من النازحين لم يعودوا إلى ديارهم بعد تحذيرات الجيش اللبناني رغم توقف المعارك رسميًا بهدنة أقرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي دهاليز واشنطن السياسية ينتظر اللبنانيون الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل وهي أول مفاوضات منذ عصر الرئيس اللبناني بشير الجميل في ثمانينات القرن الماضي، فهل ينجح السياسيين فيما فشلت فيه أزيز الطائرات ومنصات الصواريخ.
رفض شعبي وحزبي للمفاوضات
قالت عبير بسام، الباحثة اللبنانية، في العلاقات الدولية وعضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين، إن مسار التفاوض الحالي يواجه رفضاً قاطعاً ليس على المستوى الفردي فحسب، بل من قِبل الأغلبية الساحقة من الوطنيين اللبنانيين.

وقدرت الباحثة في تصريح خاص لـ"إيجبتك" نسبة الرافضين لهذه المفاوضات بما يتراوح بين 75% إلى 80% من الشارع اللبناني، موضحة أن هذا الموقف تدعمه قوى وأحزاب سياسية وازنة وفاعلة على الساحة؛ من أبرزها الحزب السوري القومي الاجتماعي، والجماعة الإسلامية، فضلاً عن تيارات وأحزاب رئيسية أخرى تتفق على عبثية هذا المسار.
أداء دبلوماسي "هش" في واشنطن
وانتقدت بسام، بشدة المستوى المتدني الذي تُدار به العملية التفاوضية، مشيرة إلى أن أداء المفاوض اللبناني – متمثلاً في السفيرة اللبنانية في واشنطن – كان مخيباً للآمال. وأوضحت أن دور السفيرة اقتصر على الذهاب للاستماع إلى الإملاءات والمطالب الإسرائيلية، عوضاً عن التمسك بموقف حازم يشترط الوقف الفوري للحرب كمدخل لأي نقاش.
خروقات مبكرة ونوايا احتلالية
وأكدت الباحثة أن وقف العدوان على لبنان لا يمكن أن يجير كإنجاز سياسي للدبلوماسية، بل هو ثمرة حصرية لصمود المقاومة في الميدان، مبينة أن الهدنة الحالية وُلدت ميتة، حيث باشر الجانب الإسرائيلي في خرقها فعلياً منذ اليوم الأول.
ولفتت الانتباه إلى خطورة التصريحات الصادرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكذلك الرسائل التي نقلها السفير الإسرائيلي في واشنطن، والتي تكرس فكرة أن "الهدنة تخضع للمزاج الإسرائيلي".
وحذرت من أن إسرائيل تحاول فرض معادلة تمنحها حرية الحركة العسكرية لضرب أي هدف في أي وقت، متوهمة بسط سيطرتها المطلقة على شريط يمتد من مزارع شبعا وجبل الشيخ وصولاً إلى الناقورة، وهو ما يعكس عقلية احتلالية توسعية.
"اليد على الزناد".. المقاومة لن تنتظر
وأكدت بسام في ختام تصريحها المطول أن الفشل هو المصير المحتوم لهذه الهدنة في ظل المعطيات الراهنة. وشددت على أن المقاومين لم يغادروا الميدان، ولن يتخلوا عن سلاحهم أو يخضعوا لأي ضغوط لتسليمه، خاصة بعد استيعاب دروس التجارب السابقة.
وبناءً على التقاطعات في تصريحات مسؤولي "حزب الله" ونواب "حركة أمل"، أوضحت بسام أن "اليد لا تزال على الزناد"، وأن المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي أو تنتظر 15 شهراً للرد كما حدث في أعقاب وقف إطلاق النار السابق (من 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وحتى 2 آذار/مارس 2026). واختتمت بالقول إن أي تمادٍ إسرائيلي سيُقابل برد حاسم وسريع يقلب حسابات الاحتلال.

أزمة قانونية في شرعية المفاوضات
وبين فراس فرحات، المحلل السياسي اللبناني ومدير شبكة “جبل عامل” الإعلامية، إذا قررت الدولة السير بمفاوضات مباشرة دون تعديل او تصةيت عبر المجلس النيابي قد تضع الحكومة امام سحب نواب الثنائي الثقة او استقالات ومنها الوزراء، مما يعني إننا امام مطب سياسي داخلي صعب.
وأضاف فرحات في تصريح خاص لـ"إيجبتك"، أن الدولة اللبنانية تذهب اليوم إلى واشنطن خالية الوفاض، فهي لا تملك ورقة ضغط واحدة تفرضها على العدو، مما يجعل مطالبها بوقف إطلاق النار أو استعادة الأراضي المحتلة (النقاط الخمس) أو ملف الأسرى، مجرد تمنيات لا تجد صدىً لدى الإسرائيلي الذي لا يفهم إلا لغة القوة".
وأردف فرحات أن المشكلة الحقيقية ليست بين الدولة والاحتلال، بل هي بين المقاومة والعدو، وبالتالي فإن أي مفاوضات يتغيب عنها موقف حزب الله – الذي يرفض هذا المسار شكلاً وتوقيتاً ومضموناً – هي "ذهاب نحو المجهول" كما وصفها الشيخ نعيم قاسم.

العودة إلى "لجنة الميكانيزم"
بينما قالت ياسمين رمال، الإعلامية اللبنانية و مراسلة قناة العهد بجنوب لبنان، إن هناك شريحة واسعة جداً من اللبنانيين ترفض مبدأ التفاوض المباشر، معتبرة إياه تنازلاً مجانياً يضرب السيادة اللبنانية.
وأكدت "رمال"، في تصريح خاص لـ"إيجبتك"، أن المطالب الشعبية تتركز على العودة إلى "لجنة الميكانيزم" السابقة والقرار 1701 عبر وسيط، بدلاً من الجلوس وجهاً لوجه مع الاحتلال الذي لم يحترم يوماً المواثيق الدولية.
الأهداف الإسرائيلية: نزع السلاح لا وقف النار
وأكدت أن التصريحات الصادرة عن قادة الكيان، وعلى رأسهم نتنياهو ووزيري الدفاع والخارجية، كشفت النوايا الحقيقية؛ حيث أعلنوا صراحة أن الهدف ليس وقف إطلاق النار، بل مناقشة "نزع سلاح حزب الله" وبناء أرضية لاتفاق سلام مفروض بقوة السلاح. هذا التباين يضع الوفد اللبناني في موقف حرج، خاصة وأن لبنان الرسمي يرفع شعار "وقف العدوان أولاً".
معلومات مسربة: شروط إسرائيلية تعجيزية
وكشفت رمال، عن معلومات وصلت تباعاً تشير إلى أن الوفد الإسرائيلي يحمل في حقيبته بواشنطن مطالب "احتلالية" بامتياز، أبرزها منطقة عازلة بعمق 8 كيلومترات تكون تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، منزوعة السلاح، ويُمنع أهاليها النازحون من العودة إليها.
وأردفت أن تحويل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني خلف المنطقة العازلة وصولاً إلى نهر الليطاني إلى منطقة منزوعة السلاح وتحت رقابة إسرائيلية، وتصفية المقاومة إلزام الجيش اللبناني والدولة بتنفيذ عملية نزع سلاح حزب الله بشكل كامل وشامل.
موقف المقاومة: لا ثقة ولا تنازل
وأوضحت رمال، أن حزب الله، وعلى لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم وكتلته النيابية، حسم أمره مبكراً؛ فنتائج هذه المفاوضات لا تعني المقاومة في شيء طالما أنها تهدف إلى فرض الاستسلام. وأضافت أن العمليات العسكرية للمقاومة مستمرة ولن تتوقف، وأن المطلب الوحيد والنهائي هو وقف العدوان الشامل على لبنان والانسحاب من كافة الأراضي المحتلة.
وختمت ياسمين رمال رسالتها بالقول: "الشارع اللبناني، وخاصة هنا في الجنوب، لا يعول على هذه المحادثات ولا يثق بالجانب الإسرائيلي. اليقين الوحيد هنا هو صمود المقاتلين في الميدان، الذين يثبتون كل ساعة أن الشروط تُكتب في جبهات القتال، لا في قاعات واشنطن المبردة".

