نجاح محمد علي: إيران أعادت تعريف مفهوم «السيادة البحرية» في أزمة هرمز|خاص
منذ أن عرف العالم قيمة "الذهب الأسود"، ظل مضيق هرمز يقف كحارس أسطوري على بوابة الاقتصاد العالمي، شرياناً لا يهدأ، تختزل أمواجه صراعات القوى العظمى وطموحات القوى الإقليمية.
لكن اليوم، لم تعد مياه هذا الممر المائي مجرد مسرح للقوة البحرية التقليدية، بل تحولت إلى "منطقة رمادية" معقدة، تذوب فيها الحدود الفاصلة بين السلم والحرب، وبين الانفتاح والانغلاق.
في "إيجيبتك" اليوم نستضيف الكاتب والباحث العراقي المختص في الشأن الإيراني، نجاح محمد علي، لنفكك معه شفيرة التحولات الأخيرة في واحد من أخطر الممرات المائية في العالم، حيث يرى ضيفنا أننا بصدد فصل جديد من فصول الصراع الاستراتيجي، فصلٌ لا تُغلق فيه الممرات بالسلاسل الحديدية، بل بسلاسل من التهديدات الذكية والمخاطر المدروسة التي تُديرها طهران بأسلوب "التحكم الديناميكي".
حل مستدام وقنوات تفاوضية

يأخذنا نجاح محمد علي في قراءة معمقة لتجاوز السؤال التقليدي "هل أُغلق المضيق؟"، كاشفاً عن واقع جديد؛ حيث تتحول الجغرافيا من مجرد ممر مائي إلى أداة ضغط عالمية قادرة على هز أركان الأسواق الدولية دون الحاجة لإعلان حربي صريح. كيف أعيد تعريف مفهوم السيادة البحرية؟ وكيف أصبحت السيطرة اليوم لا تُقاس بعدد الأساطيل، بل بالقدرة على جعل العالم بأسره يتصرف وكأن المضيق قد أُغلق بالفعل؟
قبل الاستطراد في موضوع المضيق وما يحدث فيه، نريد أن نعرف ما هي آخر التطورات في الشأن الإيراني؟
أكد الكاتب العراقي نجاح محمد أنه قد حضر اليوم وزيرالداخلية الباكستاني، محسن نقوي، إلى سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إسلام آباد، وتم إبلاغ واشنطن بموافقتها على شروط إيران، ومناقشة ترتيبات الجولة الثانية من المفاوضات، كما تم التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل مستدام عبر القنوات الدبلوماسية والتفاوضية لخفض حدة التوتر.
وذكر أنه في كل مرة يتصاعد فيها التوتر في مضيق هرمز، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل أُغلق المضيق فعلاً أم لا؟ لكن هذا السؤال، في شكله التقليدي، لم يعد يعكس حقيقة ما يجري على الأرض.
مساحة غير مستقرة
يشدد نجاح محمد علي على أن المعادلة تغيّرت، ولم يعد الإغلاق قراراً رسمياً يُعلن، فهو اليوم حالة ميدانية تُفرض، وتتدرج، وتُدار بذكاء يتجاوز المفهوم الكلاسيكي للسيطرة البحرية.
ما يحدث اليوم في مضيق هرمز لا يمكن اختزاله بثنائية “مفتوح أو مغلق”. نحن أمام نموذج جديد من السيطرة، يقوم على تحويل المضيق إلى مساحة غير مستقرة، حيث لا يكون المرور مستحيلاً، لكنه يصبح محفوفاً بالمخاطر إلى درجة تدفع الشركات والدول إلى إعادة حساباتها. وهنا تتحقق الغاية دون الحاجة إلى إعلان صريح بالإغلاق.
من الناحية الاستراتيجية، يبدو أن طهران انتقلت من سياسة “الرد المباشر” إلى “إدارة الممر الحيوي”. فهي لا تسعى إلى منع السفن من العبور بشكل كامل، لأن ذلك سيستدعي رداً عسكرياً واسعاً.
بل تعمل على رفع كلفة العبور تدريجياً، عبر أدوات متعددة: الزوارق السريعة، الطائرات المسيّرة، التهديدات غير المباشرة، والانتشار البحري المرن. هذه الأدوات، مجتمعة، تخلق بيئة ضبابية، لا تسمح بالاستقرار، ولا تمنح خصومها ذريعة واضحة للتصعيد الشامل.
محاولة ضبط الفوضى
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة أمام معضلة مركّبة، فالقوة البحرية التقليدية، بكل ما تمتلكه من حاملات طائرات ومدمرات، صُممت لخوض حروب واضحة المعالم، ضد أهداف محددة.
أما في مضيق هرمز، فالتحدي مختلف تماماً: تهديدات صغيرة، سريعة، منتشرة، لا يمكن القضاء عليها بضربة واحدة، ولا يمكن تجاهلها في الوقت نفسه. وهذا ما يجعل أي وجود عسكري أمريكي في المنطقة أشبه بمحاولة “ضبط الفوضى” لا إنهائها.
الأخطر من ذلك أن ما يُسمى “إغلاق المضيق” وإن أصبح باعتراف ترامب قراراً إيرانياً خالصاً، وليس أمريكياً ، فقد أصبح أيضاً نتيجة تفاعل معقّد بين المخاطر والتقديرات.
الجغرافيا أداة ضغط
بؤكد الكاتب المتخصص في الشأن الإيراني قوله: فعندما تقرر شركات الشحن تقليص رحلاتها، أو ترفع شركات التأمين أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة، فإن المضيق يكون قد أُغلق عملياً، حتى لو لم تُغلق مياهه رسمياً، وهنا يتحول القرار من يد الدولة إلى يد السوق، ومن السياسة إلى الاقتصاد.
هذه النقطة تحديداً تكشف جوهر التحول: السيطرة لم تعد تعني رفع علم فوق الماء، بل القدرة على التأثير في سلوك الفاعلين الدوليين، ومن هذا المنظور، فإن ما يجري في مضيق هرمز هو إعادة تعريف لمفهوم “السيادة البحرية”، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط، وتصبح المخاطر بديلاً عن الحظر.
في ضوء ذلك، يمكن فهم التناقض الظاهري بين التصريحات المتضاربة: مرة يُعلن أن المضيق مفتوح، ومرة يُقال إنه تحت السيطرة أو التهديد. في الحقيقة، كلا التصريحين صحيح، لأن المضيق اليوم يعمل في منطقة رمادية بين الحالتين. هو مفتوح قانونياً، لكنه مقيّد عملياً؛ متاح نظرياً، لكنه محفوف بالمخاطر واقعياً.
تحكم ديناميكي
يعود "علي" ليؤكد لنا: ما نشهده إذاً ليس إغلاقاً تقليدياً، فهو في الواقع“تحكم ديناميكي” بالممر، وهذا النوع من التحكم يمنح طهران ميزة استراتيجية كبيرة: فهي تستطيع التصعيد أو التهدئة دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. كما أنها تضع خصومها أمام خيارات محدودة، كلها مكلفة، سواء اختاروا المواجهة أو الاحتواء أو التفاوض.
أما على المستوى العالمي، فإن تداعيات هذا الوضع تتجاوز المنطقة بكثير. فمضيق هرمز شريان حيوي للطاقة العالمية. وأي اضطراب فيه، حتى لو كان جزئياً أو مؤقتاً، ينعكس فوراً على الأسواق، ويعيد رسم خريطة المصالح والتحالفات. ومن هنا، فإن ما يبدو أزمة إقليمية، هو في حقيقته اختبار لنظام دولي بأكمله.
في النهاية، لم يعد السؤال: هل أُغلق المضيق أم لا؟ بل: من يملك القدرة على جعل العالم يتصرف وكأنه مغلق؟
وهذا هو التحول الأخطر، حيث لم تعد السيطرة في يد من يغلق الممر، بل في يد من يجعل المرور فيه قراراً محفوفاً بالخسارة.