رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إعادة تشكيل موازين القوى.. الصين مكاسب بدون طلقة رصاص في حرب إيران|تقرير

الرئيس الصيني وترامب
الرئيس الصيني وترامب

في تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، تشير التقديرات إلى أن الحرب الأمريكية ضد إيران لم تعد مجرد أداة ضغط جيوسياسي كما كان يفترض، بل تحولت إلى عامل غير مباشر في إعادة رسم خريطة توازن القوى الدولية، بطريقة منحت الصين مكاسب استراتيجية ملموسة، في الوقت الذي وجدت فيه الولايات المتحدة نفسها أمام موقع تفاوضي أكثر تعقيدا وهشاشة، خاصة مع اقتراب أي محادثات محتملة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ.

وتلفت المجلة إلى أن قرار ترامب بتأجيل زيارته إلى بكين، والتي كانت مقررة في نهاية مارس، لم يكن مجرد تعديل في الأجندة الدبلوماسية، بل يعكس حالة من الارتباك في إدارة ملفات متداخلة، بعد أن تزامن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط مع ارتفاع أسعار الطاقة وعودة الضغوط على الاقتصاد الأمريكي، وهو ما كشف صعوبة الجمع بين إدارة مواجهة مع إيران والاستمرار في منافسة استراتيجية طويلة الأمد مع الصين في الوقت نفسه.

الرئيس الصيني وترامب في لقاء سابق
الرئيس الصيني وترامب في لقاء سابق

استنزاف عسكري 

وفق التحليل، فإن الانخراط العسكري في المواجهة مع إيران جاء على حساب التركيز الأمريكي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث اضطرت واشنطن إلى إعادة نشر جزء من أصولها العسكرية المتقدمة من تلك المنطقة نحو الشرق الأوسط، بما في ذلك حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" وأنظمة دفاع صاروخي عالية التطور، وفقًا لوكالات الأنباء.

هذا التحول لا يقتصر على مجرد إعادة انتشار جغرافي للقوة العسكرية، بل يمتد إلى تكلفة استراتيجية أعمق، إذ إن سحب بعض هذه القدرات من مناطق مثل كوريا الجنوبية بعث برسائل غير مباشرة إلى الحلفاء، مفادها أن الالتزامات الأمنية الأمريكية قد تكون قابلة لإعادة الترتيب تحت ضغط الأزمات المتلاحقة.

 كما أن استهلاك الذخائر والموارد العسكرية في مسرح عمليات بعيد عن ساحة التنافس الأساسية مع الصين يفرض، بحسب التحليل، ضغطاً على قدرة الردع الأمريكية في المدى المتوسط.

الجيش الصيني
الجيش الصيني

بكين تستفيد دون أن تنخرط

في المقابل، ترى "المجلة" أن الصين استطاعت تحقيق مكاسب مهمة دون أن تدخل في المواجهة بشكل مباشر، إذ وفرت لها الحرب فرصة نادرة لمراقبة الأداء العسكري الأمريكي في بيئة قتالية حقيقية.

هذا الرصد، بحسب التحليل، يمنح بكين معطيات دقيقة حول أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، وآليات اتخاذ القرار، وكيفية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية. وهي معلومات يمكن أن تترجم مستقبلا إلى تطوير تكتيكات هجومية ودفاعية أكثر دقة، سواء من خلال زيادة كثافة الضربات أو تعديل توقيتها بما يربك منظومات الدفاع ويستنزفها بشكل تدريجي.

تحميل صواريخ كروز AGM-158 جو-أرض بعيدة المدى على قاذفة القنابل الأمريكية B-52
تحميل صواريخ كروز AGM-158 جو-أرض بعيدة المدى على قاذفة القنابل الأمريكية B-52

مضيق هرمز واختبار مرونة الاقتصاد العالمي

كما أدى إغلاق مضيق هرمز خلال فترات التصعيد إلى اضطراب واضح في حركة تدفقات النفط عالمياً، ما انعكس مباشرة على الأسعار وسلاسل الإمداد. إلا أن تأثير هذه الصدمة لم يكن متساويا بين القوى الكبرى.

فالصين، وفق ما تشير إليه المجلة، تمكنت خلال السنوات الماضية من بناء منظومة طاقة أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات، عبر تنويع مصادر الاستيراد وتقليل الاعتماد على النفط في إنتاج الكهرباء، مع توسع واضح في استخدام الفحم والطاقة النووية والمتجددة.

كما تمتلك بكين احتياطيات نفطية ضخمة تقدر بنحو 1.4 مليار برميل، ما يمنحها قدرة على التعامل مع فترات اضطراب طويلة نسبيا، في وقت تواجه فيه بعض الاقتصادات الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ضغوط متزايدة على احتياطياتها الاستراتيجية. كما أن إمكانية زيادة الإمدادات من روسيا تعزز من قدرة الصين على تقليل تأثير أي اختناق في مضيق هرمز.

مضيق هرمز
مضيق هرمز

الطاقة المتجددة كرافعة استراتيجية

في السياق ذاته، تشير المجلة إلى أن الحرب ساهمت في تسريع الاتجاه العالمي نحو الطاقة البديلة، وهو مسار يصب بشكل واضح في صالح الصين، التي تهيمن على سلاسل إنتاج البطاريات والألواح الشمسية وتوربينات الرياح.

ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في أسواق النفط، بات المستثمرون أكثر ميلا نحو الطاقة النظيفة باعتبارها خيار أكثر استقرار، الأمر الذي انعكس في ارتفاع تقييمات الشركات الصينية العاملة في هذا القطاع. وبالتالي، فإن المكاسب الصينية لا تقتصر على تقليل التعرض للمخاطر، بل تمتد إلى تعزيز النفوذ في الأسواق المرتبطة بالتحول العالمي في الطاقة.

الاقتصاد الأمريكي بين الإنتاج والتقلبات

على الجانب الآخر، توضح المجلة أن الولايات المتحدة، رغم كونها من أكبر منتجي النفط عالميا، لا تستطيع عزل اقتصادها عن تقلبات الأسواق الدولية، حيث يؤدي أي نقص في الإمدادات إلى ارتفاع الأسعار داخليا.

ويشير التحليل إلى أن المستهلك الأمريكي يتأثر بشكل مباشر بارتفاع معدلات التضخم وتكاليف النقل، مقارنة بالصين التي تتمتع بهامش أوسع في مواجهة ارتفاع الأسعار بسبب اختلاف طبيعة الضغوط التضخمية لديها. كما أن بطء التحول الأمريكي نحو الطاقة البديلة يزيد من حساسية الاقتصاد الأمريكي تجاه تقلبات سوق النفط العالمي.

الصين
الصين

تراجع الثقة الدولية وتوسع الفرص الصينية

على المستوى الجيوسياسي، ترى المجلة أن الحرب أسهمت في تقليص صورة الولايات المتحدة كحليف يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل، خصوصاً في الشرق الأوسط، حيث دفعت حالة عدم اليقين بعض الدول إلى تبني سياسات أكثر توازناً بين واشنطن وبكين. وفي هذا الإطار، لا تحتاج الصين إلى لعب دور أمني مباشر لتحقيق مكاسب نفوذ، إذ يكفيها تعزيز صورتها كشريك اقتصادي مستقر. 

ومن المتوقع أن تستفيد بكين في مرحلة ما بعد الحرب عبر توسيع استثماراتها في مشروعات إعادة الإعمار والبنية التحتية، ما يعزز حضورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة على المدى الطويل.

أوراق تفاوض أقوى لبكين

وتشير التقديرات إلى أن الصين قد تدخل أي مفاوضات مستقبلية مع الولايات المتحدة من موقع تفاوضي أكثر قوة نسبياً، مستفيدة من الضغوط التي تتعرض لها واشنطن نتيجة استنزاف الموارد العسكرية وتراجع بعض جوانب صورتها الدولية.

وتلمح تقارير إلى أن بكين قد تستخدم أدوات اقتصادية كبيرة، مثل صفقات الطائرات أو الاستثمارات الضخمة، كورقة تفاوضية للحصول على تنازلات أمريكية في مجالات حساسة، وعلى رأسها التكنولوجيا المتقدمة، وهو ما قد يمنحها مكاسب استراتيجية طويلة الأمد مقابل مكاسب قصيرة الأجل للولايات المتحدة.

الصين
الصين

تحول أعمق في ميزان القوى

وتخلص "فورين أفيرز" إلى أن الحرب على إيران، بدلا من أن تضعف الصين كما كان متوقع، أتاحت لها فرصة لتعزيز موقعها في النظام الدولي دون تحمل تكاليف المواجهة المباشرة.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بإدارة تداعيات الصراع وتكاليفه الاقتصادية والعسكرية، تواصل الصين التقدم في مسار تعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية، مستفيدة من بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتراجع الثقة في القيادة الأمريكية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء