بما أن مجلسي النواب والشيوخ يعبران عن الشعب وقضاياه، وبما أنني واحد من أبناء هذا الشعب، لديّ قضية مهمة، أتمنى أن تنال اهتمام السادة الموقرين أعضاء المجلسين، وأن تُطرح هذه القضايا للنقاش الجاد، وصولًا إلى سنّ القوانين الكفيلة بحماية مصر، ليس فقط في حدودها الجغرافية، بل في عمقها الحضاري والثقافي.
الهوية الثقافية لمصر
أول هذه القضايا هي الهوية الثقافية لمصر، تلك الهوية التي تشكّلت عبر آلاف السنين، وامتزجت فيها الحضارات ، وصولًا إلى العصر الحديث، لتصنع شخصية مصرية فريدة, إلا أن هذه الهوية تواجه اليوم تحديًا حقيقيًا يتمثل في السيطرة المتزايدة للثقافة الأجنبية على تفاصيل حياتنا اليومية، وهو أمر بالغ الخطورة يجب أن نلتفت إليه جيدًا قبل أن تتآكل هويتنا بشكل تدريجي، لنجد أنفسنا أمام واقع ثقافي لا يشبهنا.
إن تغلغل الثقافة الأجنبية في المجتمعات ليس أمرًا جديدًا، لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول من تفاعل صحي إلى هيمنة كاملة، تُفقد المجتمع قدرته على إنتاج ثقافته الخاصة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ فالثقافة ليست مجرد فنون أو لغات، بل هي منظومة قيم وسلوكيات وطريقة تفكير. وعندما تُستبدل هذه المنظومة بأخرى وافدة، فإننا نكون أمام شكل من أشكال “الاحتلال الناعم”، الذي لا يقل خطرًا عن احتلال الجيوش، بل قد يكون أكثر تأثيرًا واستدامة، لأنه يتسلل إلى العقول دون مقاومة مباشرة.
وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الحفاظ على الهوية الثقافية لا يتعارض مع الانفتاح على العالم، بل يتطلب توازنًا دقيقًا بين الاثنين, فدول مثل فرنسا وألمانيا لم تتردد في سنّ تشريعات لحماية لغاتها الوطنية في الإعلام والإعلانات والمؤسسات، حيث تفرض إستخدام اللغة الأم، وتُشجع الإنتاج الثقافي المحلي، وهو ما ساعدها على الحفاظ على شخصيتها الثقافية رغم العولمة الجارفة.
سنّ قانون ينظم استخدام اللغات الأجنبية في الفضاء العام
من هنا، أرى أن من أولى الخطوات العملية لوقف هذا الزحف الثقافي غير المنضبط هو سنّ قانون ينظم استخدام اللغات الأجنبية في الفضاء العام، بحيث يتم الحد من كتابة اللافتات والإعلانات وأسماء المشروعات بلغات أجنبية دون مبرر، مع إعطاء الأولوية للغة العربية بوصفها وعاء الهوية. كما يجب أن يكون استخدام اللغات الأجنبية في موضعه الطبيعي، كوسيلة للتواصل أو التعلم، لا كبديل عن لغتنا في حياتنا اليومية.
لقد أصبح من الملاحظ أننا نُقحم كلمات أجنبية في حديثنا اليومي بشكل مبالغ فيه، حتى في أبسط المواقف، وهو ما يمثل تآكلًا تدريجيًا للغة العربية, والأخطر من ذلك أننا في كثير من الأحيان نستخدم هذه الكلمات بشكل غير صحيح، بدافع التفاخر أو المظهر الاجتماعي، وهو ما يعكس خللًا في الوعي اللغوي والثقافي.
ومن هنا تبرز أهمية وجود قانون واضح لحماية اللغة العربية، لا يقتصر فقط على الحفاظ عليها، بل يمتد إلى تطوير طرق تعليمها، بحيث تُقدَّم للأجيال الجديدة بصورة مبسطة وجذابة، بعيدًا عن التعقيد الذي جعل كثيرين ينفرون منها منذ الصغر. فاللغة العربية ليست عبئًا، بل هي أداة للتفكير والإبداع، وإذا أُحسن تعليمها، فإنها قادرة على مواكبة العصر بكل تطوراته.
أهمية وجود قانون واضح لحماية اللغة العربية
وقد ظهرت فجأة مبادرة تهدف إلى الحفاظ على اللغة العربية، وهى مبادرة " اتكلم عربي"، التي حملت أهدافًا نبيلة في تعزيز استخدام اللغة الأم، لكنها، كما ظهرت فجأة، اختفت فجأة دون استمرارية واضحة أو تقييم حقيقي لنتائجها. وهو ما يطرح تساؤلات مهمة حول كيفية إدارة مثل هذه المبادرات، وضرورة تحويلها إلى سياسات مستدامة، لا مجرد حملات مؤقتة.
وفي ظل هذا المشهد، لا يمكن إغفال وجود قوى تسعى، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إضعاف الهوية الثقافية، لأن هذه الهوية تمثل خط الدفاع الأول لأي أمة , وقد يبدو الحديث عن " طابور خامس أو سادس" يعكس شعورًا حقيقيًا بالقلق من فقدان السيطرة على مكوناتنا الثقافية، خاصة في ظل عالم مفتوح تتداخل فيه التأثيرات بشكل غير مسبوق.
لذلك، فإن المسؤولية هنا مشتركة، لكنها تبدأ من المؤسسات التشريعية، ممثلة في مجلسي النواب والشيوخ، اللذين يمتلكان القدرة على تحويل هذا القلق إلى سياسات واضحة وقوانين ملزمة، تدعم الإنتاج الثقافي المحلي، وتنظم الفضاء اللغوي، وتعزز الانتماء لدى الأجيال الجديدة.
وفي النهاية، أتمنى بالفعل أن يتم مناقشة هذه القضايا بجدية داخل مجلسي النواب والشيوخ، وأن تُتخذ خطوات عملية للحفاظ على هويتنا الثقافية، قبل أن نجد أنفسنا أمام واقع يصعب تغييره, او كما كنا نقول قديمًا قبل ان نجلس لنبكي على اللبن المسكوب.