في ذكرى ميلاده.. «محمد الأتاسي» مفتي حمص الذي جمع بين القضاء والأدب
تحل ذكرى ميلاد الشيخ محمد طاهر الأتاسي، أحد أبرز أعلام حمص في أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين، والذي جمع بين الفقه والقضاء والشعر، فكان نموذجاً للعالم الموسوعي الذي امتد تأثيره إلى ميادين العلم والسياسة والأدب.
ذكرى ميلاد محمد طاهر الأتاسي
ولد الأتاسي عام 1860 في أسرة عريقة توارثت العلم والفتوى، وعرفت أسرته منذ قرون بتولي مناصب الإفتاء والقضاء في بلاد الشام، مع نسب شريف يمتد إلى آل بيت النبي.
نشأ الأتاسي في بيئة علمية صرفة، فتلقى علومه الأولى على يد والده وأفراد أسرته، فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة، ثم شد الرحال إلى الأستانة حيث التحق بمدرسة القضاء الشرعي، ونال الدرجة الأولى عام 1883، وبعد عودته واصل تحصيله في دمشق على يد كبار علمائها، ما أهله ليكون من أعلام عصره في العلوم الشرعية.
مسيرته في القضاء
تنقلت به مسيرته القضائية في عدد من المدن داخل الدولة العثمانية، فشغل منصب القضاء في حوران ونابلس والكرك، ثم في مدن الأناضول، وصولا إلى القدس الشريف، وهو من أرفع مناصب القضاء آنذاك، قبل أن يعين قاضيا في البصرة، واستمر العمل سنوات ثم عاد إلى حمص ليتولى منصب الإفتاء عام 1914، وظل فيه قرابة ربع قرن، محولاً مدينته إلى مركز علمي يقصده الطلاب من مختلف الأقطار.
تميز الأتاسي بدوره التعليمي، حيث تخرج على يديه عدد كبير من العلماء والمفكرين، وأسهم في تخريج أجيال حملت مشعل العلم في بلاد الشام، وكان له حضور بارز في الحياة العامة، إذ شارك في العمل السياسي خلال فترة الانتداب الفرنسي، وكان من ممثلي حمص في المجلس الذي أُنشئ ضمن تجربة “دولة الاتحاد” عام 1922.
مسيرة الأتاسي في الأدب والشعر
وتجلى دوره الإصلاحي في رئاسته لمؤتمر علماء الشام عام 1938، الذي جمع نخبة من علماء المنطقة لبحث قضايا الأمة، والدعوة إلى نشر التعليم الشرعي، والدفاع عن الهوية الإسلامية، والتصدي لمشروعات التقسيم والاستعمار، فضلاً عن التأكيد على وحدة المسلمين ودعم القضية الفلسطينية، كذلك عرف الأتاسي بأدبه وشعره، إذ كان شاعرا بليغا يملك ناصية اللغة، وتداول الناس قصائده في المجالس. وقد ظل شغوفاً بالأدب حتى في ذروة انشغاله بالفتوى، مؤمناً بأهمية الثقافة في صقل العالم، وكان يردد: “ندوا أقلامكم بالأدب”.
وفي عام 1940، رحل محمد طاهر الأتاسي تاركا إرثا علميا وأدبيا بارزا، ومكانة راسخة في تاريخ العلماء الذين جمعوا بين المعرفة والعمل العام، فاستحق أن يُذكر كأحد أعمدة النهضة العلمية في بلاد الشام.