رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قوم عاد هم من عادوا بعد قوم نوح لتعمير الأرض، وقد أخبرنا القرآن الكريم أنهم أساؤوا حتى استحقوا الإبادة، وهذا يجعلنا نتساءل.. هؤلاء من ذرية سيدنا نوح ومن معه على السفينة، وقد كانوا مؤمنين صادقين صابرين، تحملوا وكافحوا وصبروا على الأذى، وظلوا متمسكين بدينهم بإصرارٍ وتصديقٍ كاملٍ ... كيف ظل أحفادهم يتحولون من الحق إلي الباطل حتى تركوا دينهم تماماً وأساؤوا حتى استحقوا الإبادة؟
هذا أمر في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة، ويجعل دراسة هذه الأقوام هام جداً لديننا ودنيانا وآخرتنا.
ويخبرنا القرآن بداية عن دعوة سيدنا هود لقومه، يقول تعالى: وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‎﴿٦٥﴾‏ الأعراف. 
ويقول تعالى: وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ‎﴿٥٠﴾ هود.
أرسل رب العالمين إلى قوم عادٍ أخاهم هود رسولاً، وعبر بصفة الأخوة ليبين قربه منهم في نشأته وصفاته ومكانته، ليساعدهم هذا على سماعه وتصديقه، دعاهم لعبادة الله تعالى، فلا إله سواه، ومن يعتقد في أي 
آلهة أخرى فهو يفترى الكذب.
فكان ردهم:
(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ‎﴿٦٦﴾) الأعراف.
(قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ‎﴿٥٣﴾‏ إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ .. ) هود.
(قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ ‎﴿١٣٦﴾‏ إِنْ هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ‎﴿١٣٧﴾‏ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ‎﴿١٣٨﴾‏) الشعراء.
كان ردهم تسفيه كلامه ودعوته، ورميه بالتهم والظنون والكذب، والإصرار على اتباع عبادة الآباء وتحديه أن يأتي بما يعد من عذاب أليم، ومطالبته بالآيات والمعجزات، وأن ما هو فيه إنما هو من غضب آلهتهم عليه، ثم في النهاية بعدما فقدوا كل حججهم، أقروا أنهم لن يستجيبوا له سواء وعظهم أم لم يعظهم، فما يقوله عفي عليه الزمان وانتهى، ثم من جهلهم واستكبارهم قرروا أنهم لن يُعذبوا فلا خوف لديهم من هذا الأمر. 
فلنرى ما الذي أدى بهم لهذا الرفض لعبادة الله تعالى ..  
(قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‎﴿٧٠﴾‏) الأعراف.
إنهم يتساءلون بتعجب واستغراب.. ما هذا؟؟ تدعونا أن نعبد الله وحده، نأخذ منه وحده أحكامنا وقيمنا وهدايتنا ومبادئنا وأسس حياتنا!!! وأين ما نشأنا عليه مما كان يعبد آباؤنا؟ لقد نشأنا على وجود عدة آلهة نأخذ منها أحكامنا، وهى أحكام تناسبنا ونحقق بها مصالحنا.  
(..أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ .. ) الأعراف. 
اخترعوا أسماءً اتخذوها آلهة يسمعون لها ويطيعون، لم يمنحها الله تعالى أي سلطان على عباده لتحلل أو تحرم، أنزلوا بها أهواءهم ورغباتهم ومصالحهم، ثم ادعوا أنها مقدسة وتمسكوا بالأكاذيب التي نسبوها إليها. 
فلنرى ما الذي أدت إليه عبادات آبائهم..
وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ‎﴿٥٩﴾ هود.
دعتهم عبادة آلهة الآباء إلى اتباع أمر كل جبار عنيد، محت هذه الآلهة عقولهم، وأفسدت فطرتهم، وحولتهم إلي مجرد تابعين يحركهم ويأمرهم جبار، وهذا الجبار متسلط متكبر مستبد، لا يرى لأحدٍ عليه حقاً، وهو معاند لكل حق. 
كذلك أدت عبادة الآلهة المزيفة إلي التأثير السيئ في حياتهم، يقول تعالى: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ‎﴿١٢٨﴾‏ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ‎﴿١٢٩﴾‏ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ‎﴿١٣٠﴾‏ الشعراء.
أدى اتباعهم لهذه الآلهة لأن يستهلكوا قوتهم وثرواتهم فيما لا يُجدي، وفيما يعود عليهم بالخسارة، يذم سيدنا هود ما يبنونه في كل مكان مرتفع من قصور مشيدة وبنايات ضخمة ليست للحاجة ولا تؤدي غرضاً سوى العبث والتباهي، بل وصلت بهم الغفلة إلي حد أنهم ظنوا أنهم بصناعة هذه الأبنية المتقنة المحكمة سيخلدون ولن يأتيهم الموت. ثم أدى بهم شعورهم بهذا التميز إلى ظلم الآخرين وشدة البطش بهم، يبطشوا جبارين لأنهم يتبعون جباراً عنيداً.
ويقول تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ‎﴿١٥﴾‏ فصلت.
كذلك أدت عبادتهم لهذه الآلهة المزيفة إلى الاستكبار والطغيان حتى نسوا الله تعالى وادعوا أنه لا يوجد من هو أشد منهم قوة.. الكبر لا يتوقف عند حد، إنه يظل يُطغي صاحبة حتى يورده الهلاك.
وكانت صورة العبادة التي دعاهم إليها سيدنا هود ألا يستكبروا بقوتهم ويعرفوا نعمة الله عليهم ويشكروه ويستغفرونه ويتوبوا إليه مما فعلوه من الظلم والتجبر..
(أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‎﴿٦٩﴾‏) الأعراف.
(وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ‎﴿٥٢﴾) هود.
(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ‎﴿١٣١﴾‏ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ ‎﴿١٣٢﴾‏ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ‎﴿١٣٣﴾‏ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‎﴿١٣٤﴾‏ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‎﴿١٣٥﴾‏) الشعراء.
هذه دعوة سيدنا هود لقومه، تدعوهم لعباده الله وحده، عبادته بتعمير الأرض بما ينفع، والكف عن الاقتتال، والكف عن الإجرام بظلم الناس والبطش بالضعفاء، والتواضع لله وحده وطاعته وتقواه.. لقد استخدموا نعمة التي أنعمها عليهم في الظلم والجبروت، وكذبوه واتهموه وأهانوه.. فأبادهم بالريح التي كانوا ينتظرونها لتمطرهم وتجلب لهم الخير الوفير، حولها لريح فيها عذاب أليم وفيها هلاكهم.
(فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‎﴿٢٤﴾‏ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ‎﴿٢٥﴾‏) الأحقاف.
هذه هي سنة الله تعالى في خلقه، كل من يتبع ظالم مستبد، سواء كان من أهله وعشيرته، أو من لديه مصلحة عنده، وكل من يخترع أسماءً ما أنزل الله بها من سلطان فيجعل لها من القدسية ما لله وحده، وكل من يستخدم ما أنعم الله عليه من قوة وسيطرة في ظلم الناس والبطش بالضعفاء، وكل من لا يعرف نعم الله عليه فلا يشكرها بالإحسان إلي خلقه.. كل هذه الأصناف لا تعبد الله تعالى، بل تعبد آلهة اخترعوها لتحقق لهم أهواءهم هؤلاء ستسري عليهم سنة الله في العقاب والعذاب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء